أحدها: أنا وإن قلنا بان الواجبَ تعين بالنيةِ، والفعلِ، إلا أنَه قبل الفعل والنيةِ غيرُ متعين، وليسَ إذا كانَ الله سبحانه عالمًا بعين ما يفعلُه المكلفُ ويختاره ويعتقده وينويه، كان ذلكَ موجبًا لتعيينه بالوجوبِ، كما أنه يعلمِ مَن الناهضُ من الأمة بفعلِ فروضِ الكفاية، ولا يوجب علمةُ سبحانه بذلك أن التعيين حاصل في حق من علمَ أنه ينهضُ بذلكَ، بل الفروضُ على مَآبها، فلا يتعين سقوطُ الفرضِ على الجميع إلا بفعل الناهض بذلك الفرضِ ونيتهِ واعتقادِه، وكذلكَ من قال له الشرع: أعتقْ عبدًا، أو اقتل مشركًا. فإن الله سبحانَه عالم بمن يُصرف إليه العتق من العبيدِ، وُيقتلُ من المشركين، ومع ذلكَ لا يُجعل قبلَ الفعلِ متعينًا.
على أنه لو كانَ علمُ الله سبحانه بعين ما يفعلهُ المكلفُ ويختارهُ يجعلُه واجبًا بعينه، لم يُستنكر أنْ يكون غيرُه نائبًا منابَه، وسادًّا مسدّه، كما زعمَ بعضُ فقهاءِ أصحابِ أبي حنيفة أنَّ الصلاةَ في أول الوقتِ نفل، تمنعُ بقاءَ الفرض، وتنوب منابه في الوقت الأخير عند تحقق الفرض.
والمسبوكُ من هذه المسألة أن كُل شيء كان من هذا القبيل من التخيير بين آحاد عدد: كالشورى في الستةِ في باب الخلافة [1] ،
(1) تقصِدُ بالشورى في الستةِ: ما وردَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن طُعنَ واشتدَ ألمه فقيلَ له: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمرِ من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو عنهم راضٍ، فسمّى عليًا، وطلحة، وعثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعدًا رضي الله عنهم. =