المعدومَ، أو أمرتُه، أو طلبتُ منه، أو استدعيته، أو استدعيتُ منه، كل ذلك؛ لأن الصلةَ لا تقع، والإضافةَ لا تحصلُ إلا بين موجودين.
ومنها: أن قالوا: إننا أجمعنا شرعًا وعقلًا على أن المجنونَ والصغيرَ يصلحان لبعض التعلُّقاتِ، فهما أحسنُ حالًا من المعدومِ، لأنَ الصبيَّ يُضرب ويُؤدَّبُ على المخالفةِ لاتجاهِ الأدبِ نحوه، وتقبلُ الهديةَ، فهذا مَن تَحرّك فيه الفَهمُ ولصقَ به الأدبُ، ويقبلُ قولُه في دخولِ الدار وتَعلُّمِ الصنائع، والمجنونُ يُكَف ويُضرب كما تُضربُ البهيمةُ عن الأفعالِ الذميمة وعن الإيذاء، ثم إنَ أمرَ الشرعِ لا يتجهُ نحوه إلا بشرطِ الإفاقةِ والبلوغِ، بل القلمُ مرفوعٌ عنهما، وجُعلَ الأولياءُ ناظرين في أمرهما، فأولى أن لا يتجهَ الأمرُ بحقِ المعدومِ المنفيِّ الذي لا حقيقة له بشرط أن يوجدَ في الثاني، وهذا تنبيهٌ من الشرعِ على أنَ المعدومَ غيرُ مأمور حيث قطعَ الخطاب وحسمَ مادةَ الأمر بين الشرعِ وبينَ المجنونِ والصغير وهما أحسنُ حالًا من الوجوه التي بيّنا.
ومنها: أنه لو كان المعدومُ مأمورًا؛ لصحَّ أدق يكون مذمومًا وممدوحًا ومتواعدًا
من جهة المعدوم لا يصح، فكما لا يصح أن يكون الآمرُ معدومًا ولا المعدومُ آمرًا، كذلك لا يصحُّ أن يكونَ المعدومَ مأمورًا، ولا المأمورُ معدومًا.
ومنها: ما سنح به الخاطر وهو أن يقولوا: إنَ هذه الصيغةَ موقوفةٌ على مخاطَب، فهي من الأسماءِ المستعملة مجازًا، مثل قولهم: يَهْنِيْكَ الفارسُ، وقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] ، والعرب تسمي الشيءَ بما يؤول إليه وما كان عليه استتباعًا وتفاؤلا وإذا كان كذلك صار قولُه: افعلوا، مجازاَ، يوضح هذا أنَّ من شرط الأمرِ أن يكونَ المستدعى منه أدنى، والدُّنُو صفةٌ، والمعدومُ لا تقبلُ الصفاتِ.
(1 - 1) طمس في الأصل، والذي يفهم من العبارة أنه لو جاز أمر المعدوم بالإيجاب والإلزام،
لجاز ذمُّه ولعنُه وتسميته بأسماء المدحِ والذم. انظر"العدة"2/ 390.