ولئن كان من طريقٍ الآحادِ؛ فليس ذلك صالحًا لإثباتِ الأصولِ، لكونِ الآحاد توجبُ الظنَّ، فلا تثبتُ بها إلا الأحكامُ في مسائلِ الفروعِ خاصةً.
فيقالُ: بل أثبتناه بما رويناه عن ساداتِ الصحابةِ وأهل اللغة، وليس بتواترِ قطعي، ولا هذه الأصولُ قطعيةٌ، بل هي مسائلُ اجتهادية يسوغُ فيها الخلافُ، ولذلك لم يُفَسق المخالفُ فيها، ولا يُكَفر، وإنما يُخَطَّأ كما يُخَطأ في الفروعِ. على أنه يقلَبُ عليكم، فيقالُ في جميع هذهِ المسائل: كيف ذهبتم إليها وليس طريقُها العقل ولا نقْلُها تواتر؟ إذ لو كان تواترًا لما وقعَ الخلافُ، فكل جوابٍ لكم، وكُلُّ مخالف لنا فيها هو جوابُنا، وليس إلا ظواهرُ الاستعمالِ بالنقلِ الذي ظاهرُه الصحةُ والسلامةُ، وجماعةُ العُلماء يقبلونَ في أصولِ اللغةِ روايةَ الواحدِ، كالأصمعي [1] ، والخليل [2] ، وأبي زيد [3] ، وأبي عبيدة [4] وأمثالِهم، ولا يُستقصى في النقلِ إلى الحدّ الموجبِ للقطع.
ومنها: أن قالوا: لو كان تعليقُ الحكمِ على الصفةِ موجبًا لنفيه عما عداها، لوجَب أن لا يحسُنَ الاستفهامُ، فلما حَسُنَ استفهامُ من قيل له: إذا قتلت الصيدَ عمدًا فعليكَ الجزاءُ، وإذا كانت لك غنمٌ سائمة فعليك الزكاةُ في الأربعينَ منها، ولا تَقْتل
(1) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك، أبوسعيد البصري الأصمعي، اللغوي الإخباري، صنف"غريب القراَن"، و"الأمثال"و"المقصور والممدود"وغيرها، توفي سنة 216 هـ.
"سيرأعلام النبلاء"10/ 175،"بغية الوعاة"2/ 112.
(2) تقدمت ترجمته في الجزء الأول، الصفحة: 270.
(3) هو أبوزيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير كان حجة في اللغة، حتى قال فيه بعض العلماء:
إنه يحفظ ثلثي اللغة. مات سنة (215 هـ) ."تاريخ بغداد"9/ 77."سير أعلام النبلاء"9/ 494.
(4) هو أبوعبيدة مَعْمَر بن المثُئى البصري النحوي، كان من بحور العلم في العربية، صنَف ما يقارب مائتى مصنف، منها:"مجاز القراَن"و"غريب الحديث"و"مقتل عثمان"ولد سنة (110 هـ) وتوفي سنة (209 هـ) ."إنباه الرواة"3/ 276، و"سير أعلام النبلاء"9/ 445.