ومنها: أن للجمع لفظًا هو أخصُّ من صيغِ العمومِ، فلو أريدَ به أو وُضِعَ له، لأتى بذلك اللفظِ. فالخاصُّ: اقتل جماعةً من المشركينَ، واقتل مشركين، واقتل ثلاثةً.
فأمَّا: اقتلوا المشركين. فهذا هو صيغةُ الكل والاستغراقِ.
ومنها: أنَه لو كان الواجبُ حملَ العمومِ على الأقل لحُمِلَ على الواحِد، فإنه كما يرد والمراد به الثلاثة، قد يردُ والمرادُ به الواحدُ، قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] والمرادُ به واحد [1] ، وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} . إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9 - 10] فأفضى الكلامُ إلى أنَّ الطائفة تقع على الواحدِ، إذ جعل الطائفتين اثنين. ونون الجميعِ تقعُ على العظيمِ، قال اللهُ تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وهو الواحدُ حقيقةً، فكانَ يجب على كُل من اعتمدَ على أقلِّ ما يُستعملُ في لفظِ الجمعِ أن يعتمدَ على الواحدِ، فإنه أقل من الثلاثةِ، وقد كتب عُمرُ إلى سعدٍ: إني قد أنفذتُ إليكَ بألفي رجل [2] ، وإنما أنفذَ إليه القعقاعَ وألفَ فارسٍ، فسمَّي القعقاعَ ألفًا، وهو واحد.
ومنها: أنَ لفظَ الجمعِ يُفارقُ لفظَ العموم من وجهين:
أحدهما: أن صيغةَ العمومِ آيتها الألفُ واللاّم، وإذا كان له مع وكيله دراهمُ، فقال له: تصدَّق بدراهم. اقتضى ذلك الثلاثةَ فما زاد، وإذا قال: بالدراهمِ، رجع إلى
(1) مقصوده بذلك: أن لفظ"الناس"الأول الوارد في الآية أريد به نُعيم بن مسعود الأشجعي
رضي الله عنه وهو واحد. وهذا تفسير مجاهد وعكرمة. انظر:"زاد المسير في علم التفسير"1/ 504
(2) لم أقف عليه في الكتب التي ترجمت للقعقاع، والوارد أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص:"إني أمددتك بألفي رجل: عمرو بن معد يكرب وطُليحة بن خويلد"انظر"الإصابة"، 3/ 20.