قصرنا قولَه العامَّ على سؤالِ السائلِ الخاصِّ، عطَّلنا وحيَ اللهِ؛ لأجلِ تخصيصِ السائلِ لغرضِه الخاصِّ، وذلك لا يجوزُ.
فإن قيل: فلو قالَ لهم لمَّا سألوه: توضؤوا به، بَدلًا من قوله:"هو الطهورُ ماؤه"، كان مقصورًا عليهم، أو قالَ لهم: نعم، ولم يزد على هذا، وقفَ على وضوئهم به.
قيل: كذا يقتضي المذهبُ، إذ لا عمومَ في اللفظ إلا أنْ تقومَ دلالةٌ، فيدلَّ [1] ، بل يكونُ مقصورًا عليهم، وعلى من حاله كحالهم التي ذكروها.
ومنها: أنَّا أجمعنا على أنَّ السؤالَ إذا كان عامًَّا، وجوابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيرُه خاصًا، قُضيَ بخصوص الجواب.
مثالُه: أن يقول السائل: يا رسولَ الله، أنقتل من لقينا من المشركين؟ فيقول: اقتلوا غير المجاهدين، أو اقتلوا من لا ذِمَّة له، أو يقولَ: أنعتق كل رقبةٍ في الكفارةِ؟ فيقول: أعتِقوا السليمةَ المسلِمةَ من الرقابِ. فإنَّا نقضي بخصوصِ الجوابِ على عمومِ السؤالِ، تلقيًا للحكمِ من لفظِ الشارع دونَ السائلِ، فكما يُطرحُ عموم سؤالِه لخصوصِ جوابِ الشارعِ، كذلكَ يجب أن يُطرحَ خصوصُ جوابِ السائلِ لعمومِ خطابِ الشارعِ، ولا نجدُ [2] لذلك فرقًا.
ومنها: ما أجمعَ عليه الفقهاءُ: أنَّ الزوجَ إذا شكت إليه زوجتُه ضَرَّةً لها، فأجابها بأنْ قال: كلُّ زوجاتي طوالق. قُضيَ بوقوعِ الطلاقِ على الشاكية والمشكوِّ منها وغيرهِما، ممن لم يَجْرِ لها ذكرٌ في لفظِ الشاكيةِ، تعويلًا على عمومِ إيقاعِه وشمولِ لفظه دونَ خصوصِ سؤالها [3] .
يوضِّحُ هذا: أنَّ الزوجَة الشاكيةَ كالمرأةِ السائلةِ، والزوجُ في تملّكِه إيقاعَ الطلاقِ
(1) أي: فيدل اللفظُ على العموم حينئذٍ.
(2) في الأصل:"ولا يجدوا".
(3) انظر تفصيل المسألة في"المغني"10/ 403 - 404.