وعلى كلا الأمرين لا يمتنعُ النسخُ والرفعُ؛ إمَّا لما شاءَ، أو لِما عَلِمَ في ذلك من الأصلح للمكلفين، والمصالحُ قد تختلفُ باختلاف الأزمان، كما تختلفُ باختلافِ الأشخاص، فكم من شخصٍ مصلحتُهُ الغنى، فالفقرُ مفسدٌ، وكم من شخص بالعكس، وكم من زمانٍ يصلحُ أهلُهُ بالمداراةِ والمساهلة، وزمانٍ لا يُصْلحُ أهلَه إلا السوطُ والسيفُ، ألا تراه سبحانه كيف قال في زمنِ المداراة: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45] ، {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) } [الغاشية: 22] ، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7] ، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] ؟ فلما جاء زمانٌ الأصلحُ فيه العنفُ، قال: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...} [التوبة: 5] الآيات.
ومن ذلك: أنَّه إذا جاز أن تأتيَ الشرائعُ بالعباداتِ والمأموراتِ أوزاعًا؛ فتأتيَ بإيجابِ صلاةٍ، ثم يتَرَاخَى الأمرُ في ذلك، فيأتي بعدَ ذلك إِيجابُ صيامٍ، ثم يتراخى الأمرُ، فيأتي إيجابُ زكاةٍ وحجٍّ، إلى أمثال ذلك، وهذا إيجابٌ لتعبدٍ لم يكن واجبًا، فهَلا جاز رفعُ ما وجبَ، وهذا صحيحٌ، لأنّ الَزياداتِ بعد المبادىءِ التي كانت كالكفايةِ والاستقلالِ بالمصلحة، صارت غيرَ كافيةٍ، ومن ها هنا جعل قومٌ الزياداتِ نسخًا، فإذا جاز أن يزادَ على الواجبِ الأول، ويُخْرَجَ الأولُ [عن] أن يكون كافيًا ومقنعًا، بتجديد أمرٍ ثانٍ، وإيجاب ثانٍ، جازَ أن يُزالَ الأولُ، ويُجَدَّدَ أمرٌ غيرُه بحسبِ الأصلح، هذا بحكمِ الأصلح.
وإن كان بحكمِ المشيئة: فقد يكون مريدًا للشيء في حالٍ، ثم إنه يبين بالنسخ منه لم يكن مريدًا له في حال أخرى، ويَبْعُدُ الفرقُ بين أنه لم يكن الشيء واجبًا بُرْهةً، ثم جعلَه سبحانه واجبًا، وبين أن حَكَمَ بوجوبِه بُرْهةً، ثم جعلَه غيرَ واجبٍ.