على مثلهم التواطؤ على الكذبِ على خبرٍ، ويجتمعَ مثلُهم على الإخبارِ بضِدِّه.
ومنها: أن قالوا: لو كانَ العلمُ يحصلُ بنقلِ الجماعةِ الكثيرةِ، لوجبَ حصول العلمِ لنا بما نقلته اليهود عن موسى، والنصارى عن مسيحها، وأهل الرفضِ عن أئمتِهم؛ من العجائبِ التي يقصدونَ بها إفسادَ مِلَّتِنا، وتكذيبَ كتابِنا ورسولِنا - صلى الله عليه وسلم -، والطعنَ في أصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: يوضِّحُ هذا: أنَّ المعنى الذي تمسكتم به، هو أنَّ الدواعي لا تتفقُ على اختلاقِ الكذبِ، وهذا موجود في كل ملَّة.
فيقال: إنَّ النقل الذي يوجبُ العلمَ عندنا، مشروطٌ باستواءِ الطرفين [1] ، فأمَّا أن يسمعَ الواحدُ، أو يرويَ، أو يشهدَ الحال، ثم يحدِّثَ به أعدادًا من الرجالِ، ويحدثَ أولئك الأعدادُ الأفرادُ لأقوامٍ، فتكثُرُ [2] الرواةُ والمخبرون، لكنْ هذا العددُ الكثيرُ نقلوا عن أعداد وأفراد، فلا يكون محصلًا للعلم عندنا، ألا ترى أن سخاء حاتم، وفصاحة سحبان وائل وقس بن ساعدة، وفهاهة باقل، وشجاعة علي والمقداد، لما نقلت تواترًا متساوي الطرفين، لم يختلف في ذلك اثنان، ولم يقع فيه شك لمرتاب، ومن شكَّ فيهِ فكأنَّما شكَّ في المحسوساتِ، ولأنَّ يهودَ ما اتفقوا على ذلكَ، بدليل أن رؤساءهم وعلماءهم آمنوا برسول الله، ولو كانوا نقلوا عن نبيهم شيئًا، لما
(1) أني: أن يستوي العدد في طرفي الخبر ووسطه، فتكون رواية الجمع الذين لا يجوز تواطؤهم على الكذب متحققة في كل حلقات السند، ومثل هذا غير متحقق في خبر اليهود والنصارى، كونهم يروون عن كتب وأعداد يسيرة.
انظر"التمهيد"3/ 19، و"العدة"3/ 843، و"المسودة" (292) .
(2) في الأصل:"مكثر".