فإن قيل: هذا لا يصحُّ لوجهين:
أحدهما: أنَّ الكلام في الجملةِ يولدُ إذا كان خطابًا لمخاطب، ما يولد له السحر من الإرعاب الموجب للوجل، والتهجين الموجب للخجل، فيولد للرجل [1] صفرة؛ لفورانِ الحرارةِ عند الخوفِ، ويورثُ حمرة اللونِ عند الخجلِ [والغضب] ؛ لانتشارِ الحرارة، وثوران الدم لمقاواةِ المهاجم، ومدافعتِه عن النفس، فهذانِ أثرانِ ولدهما القولُ.
فيقال: هذه غفلةٌ منكم في إلزامنا جزئيات التولد، مع إنكارنا أصلَ القولِ بالتولدِ.
قالوا: فمن وجه آخر: وهو أنْ يكونَ المولِّدُ للعلمِ في قلبِ المخبَرِ، النظرَ في صحةِ الخبرِ المتواتر، وذلكَ ناشىءٌ من المحل، أعني: النظرَ، ومولدٌ في المحل، وهو العلم.
قيل: هذا باطلٌ لما قدمنا، وأَنَّ العلمَ الواقعَ بهذه الأخبارِ ليسَ يقعُ عن نظير، وأَنه لو وقع عن نظرٍ قليلٍ أو كثير، لوجب وجوده في الحس؛ لَأن قليله وكثيره كقليلِ اللذة والألمِ وكثيرهما، وهذا ممَّا لا نجده في الحس، فبطل ما ادعوه.
فإن قيل: [لو كانَ] العلمُ بخبرِ الأخبارِ مبتدأً من الله تعالى، لكانَ يَصحُّ أن يوقعه من غيرِ سماعِ خبرٍ أصلًا ورأسًا.
قيل: يجوزُ ذلكَ في المقدورِ، إلا أنَّه لم تجرِ به عادة.
ويقالُ أيضًا: ولو كانَ العلمُ بما أدركته الحواسُّ مبتدأ من فعلهِ،
(1) في الأصل:"الرجل".