كذلكَ أسبابُ الجرح تختلف، فبعضُ الناسِ يرى اللّعبَ بالشِّطْرَنْجِ جرحًا، وبعضُهم لا يراه جرحًا، وكذلك التعيير وشربُ النَّبيذ، وكذلكَ السكر الذي يخلط به كلامه، كلُّ هذه مختلف في كونها جرحًا، فقومٌ لا يرونه جرحًا، وبعضُهم يراه جرحًا.
فإن قيل: فهذا يوجب أن لا يُقبل قولُ المزَكي: إنَّه عدلٌ رِضًى؛ لأنَّ النَّاس أيضًا يختلفون في أسباب العدالة، وبعضُهم يرى أنَّ قانونَ المروءَةِ ليس من شرطِ العدالة، وبعضُهم يراه شرطًا في العدالةِ، وكذلك بعضُهم يرى أنَّ التوبةَ من القذفِ تعيده عدلًا، وتصحُّ شهادتُه على الإطلاق، وبعضُهم لا يرى قبولَ شهادتِه أبدًا، كما قال الله تعالى [1] . وبعضُ النَّاسِ يشترطُ التوبةَ من جميع الذنوبِ، ومُضيَّ الحولِ على صلاح العملِ، وبعضُهم لا يشترط ذلك، ثمَّ لا يوجبُ ذلك كشفَ سبب العدالةِ، كذلكَ الجرحُ المطلق.
قيل: العدالةُ هي الأصلُ، فهي كالطَّهارةِ في الماء، فإنَّه لمَّا كان أصل الماء على الطَّهارةِ لم نحتج إلى بيانِ سببٍ، كذلكَ العدالةُ هي الأصلُ، ولأَنَّ العدالةَ لو اعتبرنا ذِكْرَ شروطها لَمَا أَمكنَ التَّعديلُ والتزكيةُ؛ لأنَّ العدالةَ لا تكمل إلاَّ بأفعالٍ وبتروكٍ جامعةٍ لكلِّ فرضٍ وتَرْكِ كل محظورٍ، ومَنِ الذي يحيط علمًا بذلَك؟ والتركُ نفيٌ، والشهادةُ بالنفي لا تصحُّ، وليس كذلكَ الفسقُ والجرحُ؛ فإنَّه تكفي فيه الفعلةُ الواحدةُ والمخزيةُ النَّادرة، وذلك ممّا يمكنُ الإحاطةُ به فلا يتعذرُ ذِكرُه وكشفُه.
(1) فى قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .