البناءِ والتأويلِ فدَل على أَنَّ الجميعَ حَقٌّ.
والجوابُ: أَنا لانسَلِّمُ أَنَّه يَنْتَهي أَمرُهما إِلى التَّساوي؛ بحيثُ لايَتَرجَّح أَحذهما على الآخرِ، ولا يتَكافَأُ دليلانِ في الشَّرع، وهذا ظاهرٌ في المُناظراتِ، وأَنَّه لايَخْلُو مِن ظهورِ أَحدِهما على الآخرِ.
على انَّ هذا لو كان دليلًا على أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ في الفُروع، لدَلَّ على أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ في الأصولِ؛ فإِنَّ الأصُوليِّينَ إذا تَكَلَّموا في مسألةِ القَدَرِ، أَو تخليدِ الفُسَّاقِ من أَهلِ المِلةِ؛ فإنَّه تكاد الظواهر تَتقابَلُ، ولا تَدُلُّ أنَّ الحقَّ في جِهَتَيْنِ، ولا يُقال فيها بتَكَافُؤ الظَّاهِرَيْنِ.
ومنها: أَن قالوا: إِنَّ حَمْلَ الناسِ على مذهبٍ واحدٍ يُؤَدِّي إِلى التَّشديدِ والتَّضييقِ، فوَجَب أَن يُجعَلَ الجميعُ حَقًّا؛ ليَتوسَّعَ الناسُ فيها.
فالجواب: أَنَّه لو كان هذا دليلًا، على أنَّ الجميعَ حَقٌّ، لوَجَبَ أَن لايَلْزَمَ العملُ بما وَرَدَ، به النَّصُّ والإجماعُ من الأحكام المُغلَّظةِ، لأَنَّ في ذلك تغليظًا وتشديدًا، فلَمَّا بطَلَ هذا بالإِجماع، بَطَلَ ما ذَكَرُوه أَيضًا.
ولأَنَّ المصالحَ في الشرْعيَّاتِ لا تَتعلقُ بما تميل إِليه الطِّباعُ، وتَحصُل به الرّخْصة والاتِّساع، بل مَبْناها على ما هو الأَ نْفعُ لهم والأصلحُ، لا الأَطْيب والأَشهى والأَخَفُّ؛ فإذا كان في التَّكليفِ نوعُ صعوبةٍ، كان ثوابُ ذلك أَوْفرَ، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ:"ثوابُك على قَدْرِ نَصَبِكِ" [1] .
(1) تقدم تخرجه 1/ 254.