إني أظَل عند ربي، فيُطعِمُني وَيسْقِيني" [1] ."
ولَمَا قال في شاةِ آلِ مَيْمونةَ حيثُ مَروا بها عليه تُجَر كما يُجَر الحمارُ:"هلَّا أخذَ أهلُ هذه الشَاةِ إهابَها، فدَبَغُوه، فانتفَعُوا به"، قالوا: إنها مَيْتة، ومعلومٌ أنهم لا يجوزُ أن يَظُنُوا فيه أنه لم يَعلَمْ أنها مَيْتة مع جَرهم [2] لها، ومع ذِكْرِ إهابِها بالدبْغِ دون سائرِ أجزائِها، لكن كان قولُهم لِإثارة فائدةٍ، وإزالةِ شُبْهةٍ مع قول الله سبحانه: {حُرمَتْ عليْكُمُ المَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، فخرجَ جوابُه مَخْرجَ ما عَلِمَه من شبههِم بظاهر الآيةِ، فقال:"إنَما حَرُمَ من المَيْتَةِ أكْلُها" [3] ، فكأنه أجابَهم بتخصيص عمومِ الآيةِ التي كان من عمومِها الشُبْهَةُ.
ولَمَا دُعِيَ إلى دار قومٍ فأجابَ، ودُعِيَ إلى دار قومٍ فلم يُجِبْ، اعترضوا اعتراضَ المُستعلِمِين للفرق، فقال:"إنَّ في بيتِ فُلانٍ كلبًا"يعني الذي امْتَنَعَ من قَصْدِه، فاعترضوا عليه اعتراضًا ثانيًا يُضاهي الكَسْرَ [4] لتعليله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: فإن في بيت فلانٍ هِرًا، فلم يُنْكِرْ ذلك، وهو إتباعُ اعتراضٍ على الجواب، بل عدَلَ إلى الفَرْقِ، فقال:"الهرُّ سَبُعٌ ليست بنَجَسٍ" [5] .
(1) انظر لتخريجه الصفحة (26) .
(2) في الأصل:"خبرهم".
(3) هو عند أحمد 6/ 329، ومسلم (363) ، وأبي داود (4120) ، وابن ماجه (3610) ، والنسائي 7/ 171 - 172، وابن حبان (1285) ، والبيهقي 1/ 15 - 16 من حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها.
(4) لأن الكسر نقض على المعنى دون اللفظ، ويرجع إمَّا إلى منع صحة العلَّة، أو إلى معارضتها بما يفسدها. انظر"علم الجذل في علم الجدل"ص 66.
(5) مضى تخريجه قريبًا في الصفحة (27) .