وذلك يعطي قوةَ الرأيِ والاجتهادِ والتشبيهِ، وهو أوفى من الحفظِ بالتلقينِ.
ولذلك مدحَ المعقولاتِ فقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 43] والفهومَ، فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] وذَمّ الذي لم يحظَ من الكتابِ إلا بالتلاوةِ فقال: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] يعني، تلاوةً، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 43] . فالفضيلةُ الكليةُ في علمِ الأشياءِ بطريقِ فهمِ المعنى، والقدرةِ على إلحاقِ ما لم يسم بما سمّي بمعناه المشاكلِ لهُ به، وما هذا في باب الأسماءِ إلا بمثابةِ فقهِ الحديثِ بالِإضافةِ إِلى حفظهِ، فإنَّ الفقيه بمعانيه الذي يُعدّي الأحكامَ بالمعاني، ويفرِّعُ على الأصولِ، أفضلُ من الحافظِ لنطقِ الأحاديثِ.
ومن وجهٍ آخر: وهو أن سؤالَهم كانَ. عن الفسادِ في الأرضِ، عندَ إعلامِهم أنهُ جاعل في الأرض خليفةً، فالحفظُ للأسماءِ نطقًا، ليس بالمنافي لإيقاعِ الفسادِ والمنع منه، لكن الفهمُ للمعاني ووضعُ كلِ مسمى موضعه، هو الدالُّ على فضيلةِ العلمِ المانعِ من جري الفسادِ في الأرض. مع كونِ المستخلفِ عارفًا بمصالحِ أهلِ الأرض. على أن الآيةَ لوَ دلتْ على تعليمِ آدمَ، لم يكُنْ فيها مانعٌ من كونِ أهلِ الأرضِ بعد آدمَ تواضعوا الأسماءَ والتخاطبَ، بما وافقوا بهِ ما علمه آدمُ بقرائِحهم، أو وضعوا لنفوسِهم وضعًا، إمَّا لما كانَ في زمنِ آدمَ، أو لما تجدّدَ بعدَ آدمَ من الأغراضِ، فزادهم الله طريقًا، وجعلَ لهم سبيلًا بحسب ما تجدَّد لهم من الحوادثِ، التي لم تكُنْ في زمن آدمَ كما جدد اللهَ سبحانه لأمةِ مُحَمدٍ - صلى الله عليه وسلم - دفةَ الاجتهادِ، لِإحداث الأقيسة