والخِطابُ عند مَن جعلَ الكلامَ في النَّفسِ [1] ما وقَعَ ولا استُعملَ في حق المخلوقين إلا ضرورةً وحاجة لفهمِ ما في نفوسِهم، وتفهيمِ المُخَاطَبِ بأَغراضِهم، حتى لو أَمْكنَهم إيصالُ الأغراضِ بغير خِطابٍ لأوصلوا، ولذلك إذا تعذرَ الخطابُ عليهم عَدَلوا إلى المكاتبةِ بالخطِ، ثم إِنّ الله سُبحانَه خاطبَ، ولم يكُ خطابهُ على وجهِ الحاجةِ، فهذا على أصلِ قولهم في المجازِ: إِنَّه حاجةٌ مِنَّا وضرورةٌ.
وأمَّا قولُهم: إِنَّ الحقيقةَ حقٌ أو كالحق، والمجازُ ضِد الحقيقةِ أو نقيضها، واللهُ سبحانَه لا يتكلمُ بغيرِ الحقيقةِ. ليس بكلامٍ صحيِح، لأَنَّ الحق مِن الكلامِ صدقهُ وموافقتهُ للعدلِ والجائز، وأَنْ لا يكون باطلًا.
والحقيقةُ هي الموضوعُ، فيما وُضِعَ له في الأَصلِ وإِنْ كان باطلًا، ألا ترى أَن قول القائلِ مقالة النَّصارى، وكل باطلٍ قالَه مُبْطِل، هو حقيقةٌ فيما وُضِعَ له مِن الباطلِ، وليس بحقٍ، فالكاذبُ والكافرُ غيرُ محِقين فيما قالاه، بل مبطلان، لكن ليس قولُهما إلا الموضوعَ في أصلِ اللغةِ للباطلِ، ولذلك لا تَعُدُّ العربُ من قال في البليدِ: حمارٌ، وفي اللسيعِ: سليمٌ. كذَّابًا، ولا يقال لمن قال في الكريمِ: رأيتُ بحرًا: كذبتَ، ويقالُ لمن قال: ليس زيدٌ في الدارِ وهو فيها: كذبتَ، وإِن كان نفيُ كونه في الدارِ، ليس بأكبرَ من تسميتِه بالماءِ الكثيرِ الغامرِ، وذلكَ ليس هو في الحقيقةِ، وما الحقُّ والحقيقةُ إلا كالتزويرِ والاستعارةِ، ومعلومٌ أن المُزَوِّرَ على خطِ غيره، والمتشبِّهَ به في أخذِ مالا يستحقهُ مذمومٌ، والمستعيرُ للأسماءِ واللُغاتِ ليسَ بمذمومٍ، ما هذا إلا لأَنّ هذا لغةٌ تستعملُ، وليس هذا مستعملًا.
(1) المتفلسفة يزعمون أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفوس الأنبياء، تفيض عليهم المعاني من العقل الفعال، فيصير في نفوسهم حروفًا وهو زعمٌ باطل. انظر"مجموع الفتاوى"2/ 244.