الموقع، حاول المجاهدون الأفغان السيطرة على جبلي"أم القرون"لكنهم لم يستطيعوا، ففي الليل مغامرة والغام، وفي النهارأحزان وآلالام، وذلك لوجوده تحت مرمى الأعداء وبصره، كان لا بد من المغامرة للسيطرة على تلك الجبال في النهار. نزل القائد سردار ومجموعة من الأفغان، وكنت معهم عربيا وحيدا، كنا قريبا من عشرة مجاهدين، نزلنا بعملية التفافية، واثناء التسلل رآنا الشيوعيون فاخذوا يضربون علينا وحاصرونا وراء تلة صغيرة أسفلها ممر ضيق فانتظرنا هناك، كنت أرى الرصاص تتالي الرصاص في بؤرة ذاك الممر الضيق على بعد متر ونحن جالسين ومختبئين قربه. لم نستطيع إن نتقدم أكثر من ذلك، فقد رصد العدو موقعنا من جهتين بقرنيها -أم القرون-كنت جانب القائد سردار، ولا يفصلني عن الممر إلا القائد سردار، ثم بدءوا يضربوا قذائف الهاوان ويمشطون الموقع، استراح القائد سردار في جلسته كعادته ثم أخذ علبة"نسوار"- سعوط الدخان وهي مادة لينة يتسلى بها العجم وتوضع بين اللثة والأسنان أوتحت اللسان وخلف الأسنان-كانت بجيبه ففتحها، نظرت له مبتسما بأدب، وهم من عادتهم لا يفعلون ذلك أمامنا فنظر لي وابتسمنا سويا، خجل مني فرجع الى الوراء قليلا قرابة خمسة عشر متر، فما هي الا لحظات وإذ بقذيفة تقع قربه فاستشهد القائد سردار مع اثنين من جنوده، وجرح أثنان آخران، ذهبت الى القائد سردار فوجدته قد استشهد وهو رافعا السبابة ومادا يده ورأسه إلى القبلة، ثم بدأت انظر الى المجاهديّن الآخريّن فوجدت أحدهما قد هشمت جمجمته فمسكتها بيديّ، فكانت كمثل البيضة المتعجنة أسمع صوتهاو"خرخشتها"حين مسكت شعره، ولم أميز المجاهد الثالث، وقد لفت نظري شاب وسيم وجميل مكتحلا، يشبه النساء لجماله، ولم أره من قبل، لاحظت ذلك ونحن نمشي أمام الشيوعين، ولا ادري لماذا جاء الخاطر ذاك الخاطر لي؟، وربما لجمال الشهادة .. حاولت أعرف أيهما كان الجميل فلم استطع فقد عفر التراب وجهيهما رحمهم الله جميعا والحقنا بهم.