"عرفته في حبوي الأول على طرقات بيشاور .. عرفته عندما لم يكن في جيبي سوى عنوانه .. عرفته حين كان يأتي من إسلام أباد إلى بيشاور يبكينا يوم الخميس والجمعة .. عرفته حين هربنا منه إلى"جاجي"وهناك وجدناه يذبح عقيقة مصعب الصغير بعد أن هرب الروس .. عرفته والجهاد الأفغاني فلذة كبده يخاف عليه .. فلتبكي يا أمة المساكين على الذي ذهب ولم يعد .. رأيناه ساكنا في الدماء مشجوج الجبين مهتك الأكباد ... كبد نصفين وكبد معلق على الأسلاك ودماؤكم يا سيدي من البيت إلى المسجد نهر وقارب ومجداف ... المصلين في انتظارك والمنبر المظلوم يرتجف منذ أن نزع منه اللغم قبل أيام ... وبين البيت والمسجد افتقدناك وطرت في الهواء وطارت قلوب الشباب معك ... رثاء القلب"
وهانذا أغذي القلم من جرح الأمة النازف وأحمل عليه لأدون ما يخفق به القلب، وتنبض به الشرايين، وتلهج به الروح .. كلمات .. لا أقول أنها تفيض من قلبي الصغير فحسب، بل تفيض من قلوب المسلمين المترعة حبا وفداء لك، في شتى أنحاء المعمورة التي طالما دوى بين جنباتها صوتك، ورج أرجاؤها زئيرك، وتجلجل في أطرافها نداؤك. فقد كان لك -أيها الشيخ الجليل- قدم السبق، والكأس المعلى، واليد الطولى في إيقاظ الأمة من سباتها العميق، وغفلتها المديدة، لقد كانت كلماتك الجزلة البليغة الصادقة تأخذ بالقلوب فتهزها، وبالضمائر فتوخزها، وبالنفوس الوضيعة فترفعها، فتعلقت بك القلوب وشخصت إليك الأبصار، وفاضت العيون بالدموع الحرة على ما عرفتها من حالها البئيس وحال دينها الغريب السليب المبدل، كنت تقرع الآذان بصوت الجهاد وإعلان النفير لا تأبه لسلطان ولا تخاف غير الديان، لقد صممت على دفع ضريبة الكرامة من دمك الطاهر، فثبت لذلك ثبات