المجاهد الغريب
الشهيد ابو أسيد السوري
رضوان الطباع
قلما لا يعرف هذا الأسد الهصور من أهل الجهاد العرب والأفغان، أي أرض لم تطأها رجلا هذا البطل الأشم والمهاجر الأغر، أي أفغاني لم يسمع بأبي أسيد في شمال أفغانستان. أي أفغاني لم يهوى فؤاده
هذا المجاهد الصنديد والهزبر الشديد، كان بحق مجاهدا غريبا ومهاجرا فريدا، بدأ حياته طريدا وحيدا، تعرف على الجهاد، ولم يشتد عوده بعد، هاجر إلى الله فكان الله تعالى له أنيسا وحافظا. صنعه على عينه وكلأه برعايته وحفظه، نشأ نشأة الأسود في غربته، قوي عوده في الجهاد، واشتد سوقه في الجلاد ومقارعة الأفذاذ، لم يعش حياته كما يعيش الناس، فقد نشأ في الجهاد حيث الدماء والجماجم والأشلاء، عرف الحياة بالجهاد فأحيا الله قلبه، كان شبلا مجاهدا منذ الصبا، وصخرة استعصت على دواعي الهوى والردى، أبى أن يعيش بغير جهاد فخط لنفسه طريق الإستشهاد، سار في طريقه الذي رسمه لنفسه حتى النهاية، انطلق يواجه شتى أنواع البلايا والرزيا في حياته بجنان ثابت وعقل ناقد وبصر نافد، حتى قضى على أرض شهيدا، عشق الجهاد فصنع منه بطلا ورجلا، عاش طرق الجهاد والأستشهاد مثلا وأمنية، كان الصبر زاده في رحلته إلى الخلود. صبورا كما هي جبال أفغان الشامخة، وكما هم رجال الأفغان ونساؤهم الصابرات، كان الصبر والجهاد زاد حياته من ليكون أهل الخلود، تعالت نفسه على زينة الدنيا وزخرفها، فتعلم كيف يعيش العظماء ويقضوا شهداء، سلك سبيلهم واقتفى أثرهم، كان معلما للشهداء واستاذا للمجاهدين، وقائدا لعاشقين دروب الجهاد والكفاح، تعلم في الجهاد أن الموت لا تدنيه المعارك ولا يباعده الجلوس على الأرائك كان في منازل"مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام"، قضى قرابة سبع وعشرين سنة من عمره البالغ خمس وأربعون سنة وهو يجاهد في سبيل الله تعالى، لم يأته الموت أو القتل الا حين جاء الأجل، قدم نفسه لله رخيصة وتعالى عن حطام الدنيا الفانية