أين هي؟!، ومن هي؟!.تحتاج لكي تصحوا من غفوتها وتبعث من رفاتها أن يكون في كل بيت شهيد .. حين نكتب عنك وعن غيرك من الشهداء الأحبة، لانكتب للمدح والثناء والأطراء، فهل يحتاج المسك إلى زيادة في اسمه، فقد أخذتم من ذلكم مالا يغني قول غيركم شيئا .. لا نكتب لنمجدكم، فقد أصبتم المجد وتطاول برفعتكم
قولوا لسماء الكون لقد ... طاولنا النجم برفعتنا
ليس لأحد أن يطاولكم به رفعة .. نحن نكتب عن التاريخ والسنن، وقد خرج الأمر من أيديكم، فقد أصبحتم جزء من التاريخ، وساهمتم في صناعته، فكان حقا للتاريخ أن يسجلكم شامة شامخة في جبينه .. ولو يعلم الشهيد ما لشهادته من تأثير .. حين يدخل إلى القلوب بلا استئذان فيهزهاهزا ويؤزها أزا، لتعود إلى ذاتها، وترسم خارطتها من جديد، فتعيد تشكيلها وتأهيلها لتصبح صالحة مصلحة، تؤدي دورها الذي خلقت له، وتقوم بكتابة تاريخها ثانية جهادا واستشهادا. لقد كان الشهداء حقا هم أهل الفن. استطاعت تلك الثلة المباركة بدمائها أن تفعل مالم تستطع جحافل أمتنا وجيوشها الجرارة بعقود السنين الخالية .. غدا الشهداء حقا هم صناع الفن وسادة الحياة. إن ما يحصل للشهيد من أجر في العرض والتأصيل حين يقرأ الناس عنه، ويتأثروا بوقود معركة الإسلام المضطرمة المضرجة بدماء الشهداء الطاهرة، لتزكى بأريج الجهاد .. لو يدرك الشهيد ما الله تعالى فاعل بأمر شهادته وتأثيرها في الآخرين، لأوصى الشهيد أن يكتب عنه .. ثم ما الموانع الشرعية في الكتابة عن الشهداء إن كان فيها خير للأحياء واقتداء بالأفعال .. وهل مناط التكليف والحساب على أقدار جعلها سببا في إحياء من أراد لنفسه الحياة .. إن مناط التكليف على ما قدم الشهيد في حياته، وليس بعد موته، إلا ما كان من سنة سيئة، ولا نحسب الشهداء إلا أنها أحيوا الفروض والسنن التي أمر الإسلام بها. بل الكتابة عن الشهداء من الصدقات الجارية التي تدر على الشهداء أجرا ورفعة، وهل أجمل من أن يتصدق المرء ويجود بنفسه لله تعالى خالقه ومربيه .. إنها صدقة جارية لهداية الناس لخيري الدنيا والآخرة .. لم يوص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعدم الكتابة عن الشهداء، كذلك لم يوص أهل القرون الأولى من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم بذلك، ولم يوص من فقه واقع عصره