الثانية: قطع الصلة بين هذا الجهاد وبين قلوب الأمة المسلمة وتحجيمه من جهاد إسلامي عالمي إلى قتال قومي منحصر بين قومين: الأفغان والروس، وكذلك التركيز على قضية الحرب الأهلية في داخل أفغانتسان ليحرموا الجهاد من أنصاره ومن المساعدات التي ترد إليه من المحسنين، مما أوصل بعض الأثرياء المخلصين لهذا الجهاد إلى حد الشعور بالتأثم والتحرج من البذل لهذا الجهاد، حتى لا يشاركوا في سفك دماء المسلمين. ولقد تغيرت النظرة لهذا الجهاد من كونه فرض عين بالمال والنفس يجب على المسلمين إزاءه البذل والتضحية بالنفس والنفيس فانقلبت الصورة تماما في أذهان الطيبين ممن واكبوا هذا الجهاد. فبعد أن كان البذل والتحريض عليه فريضة، صار خيار المسلمين يتحرجون من التفوه بكلمة خير تجاهه والتأثم من حض الناس على البذل له"."
وفي هذا المجال إني لأرى حال الصحافة والإعلام ووسائلها، وما يفعله سدنة الصحافة وكهنتها، من عبث يساهم في إغراق سفينة هذه الأمة وتخديرها وحرفها عن وجهتها الصحيحة، والمساهمة الحثيثة في بث أفكار غريبة على أمتنا ليقوموا بتمزيقها وتشتيب كثير من جهودها وتذويب ثقافتها بإسم حرية الرأي والتعبيرولا أرى حالهم إلا كحال الفلاسفة حين كانوا في خضم تخبطهم وسيرهم إلى الوراء، فعملوا خارج الطريق، وأضاعوا انفسهم وغيرهم ثم كانت عودة بعضهم إلى الجادة في نهاية المطاف حتى قال أحدهم:"لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا"، وأنشد آخر يقول
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فم ار إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمر ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا