قليلا ثم عاد الى الجبهة، واعتزل الإمارة، فقد كانت ثقيلة عليه فهي أمانة وحسرة وندامة. كان حنين الشوق للشهادة وأملها يداعبه أحيانا, وغيابها وتأخرها يأرقه ويحزنه أحيانا أخرى، وكلما ودع شهيدا بدت عليه علامات الحزن ومرارة الألم. عندما استشهد صديقه ابو عبيدة حمله هو وأبو مصعب البعداني، ثم قال:"ها هو أبو مصعب قد استشهد، ولحق بابي عبيدة، وبقيت أنا وحدي أتقلب على الجمر وأتلوى على اللظى انتظر الشهادة"، ويطلب من إخوانه أن يدعوا له بالشهادة، وحقق الله أمنيته واستجاب الله الدعاء. استشهد وهو يقوم بخدمة اخوانه، ويجمع لهم الحطب ليقوموا بطهي الطعام، كانت الخدمة طريق للشهادة. دخل أحد البيوت المهجورة ومعه أخيه ابي زكريا الأسمر يتقدمه، كان باب البيت وضع عليه لغم زرعه الشيوعيون قبل أن يتركوا القرية، دخل أبو زكريا قبله، وتخطى اللغم فلم يدس عليه، ولم يأت أجله بعد، وأما ابو تراب فقد رأى صاحبه أمامه- ابو زكريا - يتخطى اللغم وينجو من الموت، وربما لم ينتبه للغم بين رجليه، ولكن إذا وقع القدر سلب البصر والحذر، فقد جاء الأجل وكان على موعد مع الشهادة، داس على اللغم -رغم خبرته- فانفجر فيه وبترت ساقه لكنه لم يضعف ولم يجزع، فقال وهو في حالته تلك وقد كان دمه ينزف:"إن الخلافة لا تقوم إلا على التضحيات، يا شباب الإسلام لا تخافوا عليّ أنا بخير"، ثم أدخل السيارة وهو يبتسم ويقول:"لا اشعر بالألم"، كان هذا مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يجد الشهيد من الألم إلا كمس القرصة"إنها أرض البطولات التي تصنعها التضحيات وتعلم الإيمان بالقدر، وأن الرزق والأجل بيد الله"نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها". حمل شهيدنا واثناء المسير أعطاه أحد اخوانه جرعات من الماء ثم صعدت روحه الى بارئها، وقد كان على وجهه نورا، وظهرت عليه الابتسامة، وشهد من حضر شهادته بأن رائحة المسك خرجت عند استشهاده.
سبحانه وتعالى كيف يختار الله لعباده الشهادة، فكم من معارك خاضوها، وكانوا في معامعها لكنهم لم يستشهدون، وكم نجوا من قذيفة كان القتل محققا للناظرفيها، لكن الله سلم، وكم من مجاهد توقع الشهادة أثناء الإقتحام ثم لم يستشهد، وكانت شهادته من حيث لا يحتسب فمنهم من استشهد وهو نائم أو في الخدمة أو يقرأ