أهل الإسلام ومادته اختزلوا جهادهم بعقلهم وخيالهم وأوراقهم وأقلامهم، أعدوا أنفسهم لأيام الشدائد وحين جاءت أبلسوا أنفسهم من ذات الشوكة أن تيتم أطفالهم أو تشوه أجسادهم. كان من تلك الثلة القليلة المؤمنة بربها العابدة الساجدة التي تحمل هموم المسلمين وأخبارهم وانتصاراتهم للملايين المؤمنة التي تنتظر الكلمة الصادقة من أهل المعارك الصادقين .. رشخ المجاهد نفسه لأمر هو له بأهل، لم يكن هذا البطل ينام فقد كان يحمل بطاقة مراسل صحفي، ويقوم بنقل أحداث الجهاد وأخبار المعارك والشهداء، فرّق نفسه بين جبهات كثيرة وأماكن مترامية الأطراف فلا يبق في موقع ولا يطيب له المقام إلا أن يقيم في الهيجاء .. كان يتنقل الشهيد المراسل ابومحمد الليبي بعد أن أدرك دوره في ميدان المعركة وعلم أن سلاح الصحفي هو أقوى من سلاح الأعداء، ذلك أنه يقوم بنقل المعارك ولهيبها إلى الناس وكراماتها، ليحرض على الجهاد والشهادة والبذل والعطاء والدعم والسناء .. كان يتنقل من الوديان إلى قمم الجبال، سلاحه شديد الفتك وقوي الشكيمة .. يقوم بشحن ابناء أمتنا، ونقل وقائع المعارك وبطولات أبناء هذا الدين وحقائقه المتمثلة بالمجاهدين ذاك الجيل الذي يقوم بتطبيقه عمليا في أرض الجهاد، ينقل ما يراه ليراه غيره كماهو، ولتأخذ المعركة أبعادها الجهادية في أعماق أبناء أمتنا فترسم لهم الطريق وتهز فطرتهم بلا بيان .. ومن هذه القلة القليلة مراسلنا"أبو محمد الليبي"شهيد البنيان .. الذي سقط على قمم جبل (تورغر) بولاية تنجرهار وبجانبه آلة التصوير وسلاح الكلاشنكوف بعد أن اختلط بالمسك الفائح من دمه الطاهر.
ظل أبو محمد الليبي لمدة عام يحمل هم الجهاد الأفغاني في ننجرهار يزين كتفه سلاح الكلاشنكوف وآله التصوير في آن واحد .. قطع الوديان ليلًا مع المجاهدين يقاتل وينقل الخبر الصادق .. وصعد إلى قمم الجبال ونام في الخنادق المهدمة وفي الكهوف .. وظل شهيدنا يؤدي واجب الجهاد وتمليك الخبر للقلوب المؤمنة في إخلاص وتجرد وصبر ومصابرة. والبنيان المرصوص تزف إليك في هذه الصفحات عروسها الخامس الذي زفته إلى بلاد الحور والنعيم - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله احد- فإلى رحلة الجهاد والمراسلة والشهادة نعيشها في هذه السطور.