وأنس رضي الله عنه كان بالبصرة وبها أصحابه الملازمون له المكثرون عنه، فكيف يفوتهم هذا الخبر ويتفرد به زيد بن أسلم المدني، ثم كيف يفوت أصحاب زيد الملازمين له المكثرين عنه ويتفرد به عنه هذا الصنعاني، وهكذا فيما بعد كما علم مما مر، مع أن هذا الخبر مرغوب فيه كما يعلم من كثرة الروايات الواهية له؟! [وهذه فائدة أخرى] .
فأما ما قيل أن ابن وهب رواه عن حفص، فهذا شيء انفرد به بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الله بن محمد بن رمح عن ابن وهب؛ ابن وهب إمام جليل، له أصحاب كثير منهم من وصف بأن لديه حديثه كله، وهما ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن، وحرملة، ولا ذكر لهذا الخبر عندهما ولا عند أحدهما ولا عند غيرهما من مشاهير أصحاب ابن وهب؛ [وهذه فائدة أخرى] .
ولا بن وهب مؤلفات عدة رواها عنه الناس وليس هذا فيها؛ [وهذه فائدة] .
وأما عبد الله بن محمد بن رمح فمقل جدًا، له ترجمة في (تهذيب التهذيب) ، لم يذكر فيها راويًا عنه إلا ثلاثة: بكر بن سهل، روى هذا وسيأتي حاله، ومحمد بن محمد بن الأشعث أحد الكذابين، وابن ماجة، وليس له عند ابن ماجه إلا حديثان غربيان؛ ومع ذلك قال ابن حجر في القول المسدد: (ثقة) وفي التقريب: (صدوق) ، وهذا مخالف لقاعدة ابن حجر التي جرى عليها في التقريب، ولكنه تسمح هنا جريًا مع سماه في خطبة القول المسدد (عصبية لا تخل بدين ولا مروءة) ؛ [وهذا تنبيه مهم من المعلمي رحمه الله] .
والتحقيق أن هذا الرجل مجهول الحال ومثله لا يلتفت إلى ما تفرد به، ولا سيما عن ابن وهب فكيف إذا انفرد عنه بكر بن سهل، وبكر حاول ابن حجر وفاء بتلك العصبية تقويته ولم يصنع شيئًا، بكر ضعفه النسائي ولم يوثقه أحد، وله أوابد تقدم بعضها في التعليق (صفحات 135 و 226 و 245 و 467) ؛ وقال الذهبي في ترجمته من الميزان: (ومِنْ وضعِهِ) فذكر قول بكر (هجرت ـ أي بكرت ـ يوم الجمعة فقرأت إلى العصر ثمان ختمات) ؛ قال الذهبي: (فاسمع إلى هذا وتعجب) .