وَالْمُتَتَبِّعُ لآيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يُدْرِكُ أَنَّ لَفْظَ الْفِقْهِ لَا يَأْتِي إلا لِلدّلالَةِ عَلَى إدْرَاكِ الشَّيْءِ الدَّقِيقِ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } [الأنعام 98] ؛ وَأَمَّا الآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ فَلَيْسَ الْمَنْفِيُّ فِيهِمَا مُطْلَقَ الْفَهْمِ ، وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِ قَوْمِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إدْرَاكُ أَسْرَارِ دَعْوَتِهِ ، وَإِلا فَهُمْ فَاهِمُونَ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ، وَالْمَنْفِيُّ فِي آيَةِ الإِسْرَاءِ إدْرَاكُ أَسْرَارِ تَسْبِيحِ كُلِّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِلا فَإِنَّ أَبْسَطَ الْعُقُولِ تُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ لَهُ .
وَأَيًّا مَا كَانَ فَاَلَّذِي يَعْنِينَا إنَّمَا هُوَ مَعْنَى الْفِقْهِ فِي اصْطِلاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ ، لأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّصِلُ بِبَحْثِنَا ). انتهى .
ثم جاء بعد ذلك (1/12-15) في تَعْرِيف الْفِقْهِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ ما نصه:
(الْفِقْهُ فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ أَخَذَ أَطْوَارًا ثَلاثَةً:
الطَّوْرُ الأَوَّلُ: أَنَّ الْفِقْهَ مُرَادِفٌ لِلَفْظِ الشَّرْعِ ، فَهُوَ مَعْرِفَةُ كُلِّ مَا جَاءَ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِالْعَقِيدَةِ أَوْ الأَخْلاقِ أَوْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ .
الطَّوْرُ الثَّانِي: وَقَدْ دَخَلَهُ بَعْضُ التَّخْصِيصِ ، فَاسْتُبْعِدََ عِلْمُ الْعَقَائِدِ ، وَجُعِلَ عِلْمًا مُسْتَقِلًا سُمِّيَ بِعِلْمِ التَّوْحِيدِ أَوْ عِلْمِ الْكَلامِ أَوْ عِلْمِ الْعَقَائِدِ .