وَعُرفَ الْفِقْهُ فِي هَذَا الطَّوْرِ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ الَْدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ . وَالْمُرَادُ بِالْفَرْعِيَّةِ مَا سِوَى الأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَقَائِدُ ، لأَنَّهَا هِيَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ ، وَاَلَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ . وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَتَنَاوَلُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْعَمَلِيَّةَ الَّتِي تَتَّصِلُ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ ، كَمَا يَتَنَاوَلُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْفَرْعِيَّةَ الْقَلْبِيَّةَ كَحُرْمَةِ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْعُجْبِ ، وَكَحِلِّ التَّوَاضُعِ وَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأَحْكَامِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالأَخْلَاقِ .
الطَّوْرُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الْعُلَمَاءِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا - أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ . وَعَلَى هَذَا فَالأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِأَعْمَالِ الْقَلْبِ أُفْرِدَ لَهَا عِلْمٌ خَاصٌّ عُرِفَ بِاسْمِ عِلْمِ التَّصَوُّفِ أَوْ الأَخْلاقِ (1) .
3 -يَتَّضِحُ مِنْ التَّعْرِيفِ الأَخِيرِ أُمُورٌ لا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَهِيَ:
أ - أَنَّ الْعِلْمَ بِالذَّوَاتِ أَوْ الصِّفَاتِ لَيْسَ فِقْهًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمًا بِالأَحْكَامِ .
(1) الصحيح أنه سمي علم التزكية وأعمال القلوب ، وأما كلمة التصوف فيتعلق بها إشكالات كثيرة لا مجال للتطرق إليها في هذا المقام ؛ والتصوف بمعناه عند المتأخرين مجانب للتزكية في أكثر جوانبه .