فهرس الكتاب

الصفحة 1045 من 1631

(فكل موضع ظهرت للمكلفين حكمته أو غابت عنهم ، لا يشك مستبصر أن الاحتيال يبطل تلك الحكمة التي قصدها الشارع ، فيكون المحتال مناقضًا للشارع مخادعًا في الحقيقة لله ورسوله ، وكلما كان المرءُ أفقه في الدين وأبصر بمحاسنه كان فراره من الحيل أشد ؛ واعتبر هذا بسياسة الملوك بل بسياسة الرجلِ أهلَ بيته ، فإنه لو عارضه بعض الأذكياء المحتالين في أوامره ونواهيه بإقامة صورها دون حقائقها لعلم أنه ساعٍ في فساد أوامره.

وأظن كثيرًا من الحيل إنما استحلها من لم يفقه حكمةَ الشارع ولم يكن له بُد من التزام ظاهر الحكم ، فأقام رسم الدين بدون حقيقته ، ولو هدي رشده لسلم لله ورسوله وأطاعَ الله ظاهرًا وباطنًا في كل أمره ، وعلم أن الشرائع تحتها حِكَم وإن لم يهتد (1) هو لها، فلم يفعل سببًا يعلم أنه مزيل لحكمة الشارع من حيث الجملة، وإن لم يعلم حقيقة ما أزال، إلا أن يكون منافقًا يعتقد أن رأيه أصلح - في هذه القضية خصوصًا ، أو فيها وفي غيرها عمومًا - مما جاءت به الشريعة ، أو صاحب شهوة قاهرة تدعوه إلى تحصيل غرضه ولا يمكنه الخروج عن ظاهر رسم الإسلام ، أو يكون ممن يحب الرياسة والشرف بالفتيا التي ينقاد له بها الناس ، ويرى أن ذلك لا يحصل عند الذين اتبعوا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين ، إلا بهذه الحيل ، أو يعتقد أن الشيء ليس محرمًا في هذه القضية المخصوصة لمعنى رآه لكنه لا يمكنه إظهار ذلك لأن الناس لا يوافقونه عليه ويخاف الشناعة فيحتال لحيلة يُظهر بها ترك الحرام ومقصوده استحلاله فيرضي الناس ظاهرًا ويعمل بما يراه باطنًا.

(1) تحرفت في مطبوعة المطيري إلى (يفند) ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت