ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (1) ؛ وإنما الفقه في الدين فهم معاني الأمر والنهي ليستبصر الإنسان في دينه ألا ترى قوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة 122] ؛ فقرن الإنذار بالفقه فدل على أن الفقه ما وزع عن محرم أو دعا إلى واجب، وخوَّفَ النفوسَ مواقعةَ المحظور، لا ما هوَّن عليها استحلال المحارم بأدنى الحيل.
ومما يقضى به العجب أن الذين ينتسبون إلى القياس واستنباط معاني الأحكام والفقه من أهل الحيل هم أبعد الناس عن رعاية مقصود الشارع وعن معرفة العلل والمعاني وعن الفقه في الدين؛ فإنك تجدهم يقطعون عن الإلحاق بالأصل ما يُعلم بالقطع أن معنى الأصل موجود فيه، يهدرون اعتبار تلك المعاني ثم يربطون الأحكام بمعانٍ لم يومىء إليها شرع ولم يستحسنها عقل (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) [النور 40] .
وإنما سبب نسبة بعض الناس لهم إلى الفقه والقياس ما انفردوا به من الفقه وليس له أصل في كتاب ولا سنة، وإنما هو رأي محض صدر عن فطنة وذكاء ، كفطنة أهل الدنيا في تحصيل أغراضهم ، فسُمّوا بأشرف صفاتهم، وهو الفهم الذي هو مشترك في الأصل بين فهم طرق الخير وفهم طرق الشر، إذ أحسن ما فيهم من هذا الوجه فهمهم لطرق تلك الأغراض والتوصل إليها بالرأي .
فأما أهل العلم بالله وبأمره فعلمهم متلقى عن النبوة، إما نصًا، أو استنباطًا، فلا يحتاجون إلى أن يضيفوه إلى أنفسهم ، وإنما لهم فيه الاتباع؛ فمن فهم حكمة الشارع منهم كان هو الفقيه حقًا، ومن اكتفى بالاتباع لم يضره أن لا يتكلف علم ما لا يلزمه إذا كان على بصيرة من أمره ، مع أنه هو الفقه الحقيقي والرأي السديد والقياس المستقيم؛ والله سبحانه أعلم) ؛ انتهى .
(1) متفق عليه.