فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 1631

إلا أن أهم هذه العلوم التي يكادون على تركها يُطْبقون وعلى نسيانها يتفقون هو ما ذُكر أولًا: علمُ التزكية وأعمال القلوب وعلم الأدب والأخلاق، وهما علمان متلازمان وصِنوان مقترنان متكاملان ، أولهما يصحح السلوك الديني ويقوّم العمل لله ويصفيه وينقيه من كل ما يبطله أو يبطئه أو يحْبطه أو يضعفه أو يخل به؛ فهو أساس التقوى وملازمة العبادة؛ وثانيهما يحسن التعامل مع الناس ويهذبه ويلطفه؛ فهو أصل الآداب العالية التي هي مادة الأخلاق العظيمة وشجرة الأذواق الرفيعة؛ فما أكثر من أهمل هذين العلمين العظيمين والأدبين الكريمين من المعاصرين وطوى بساطهما، وأعرض عنهما ولم يتعاطهما، أو اختصرهما اختصارًا مخلًا ، أو اقتصر منهما على ما لا يكاد يذكر أو على ما توهمه منهما وليس منهما أصلًا؛ وما أشدَّ حرمانَ أهل هذه الأزمنة المتأخرة إذ حرموا منهما وما أكبر خسارتهم بذلك وأعظم مصيبتهم به!

وإذا كان هذا وصف الداء، فما هو يا ترى دواؤه ؟

إن من أول وأهم ما يعين المرء المسلم - بعد الدعاء والتوكل - على معرفة ربه وعلاج قلبه ويؤدي إلى زيادة يقينه وثبات دينه، ويقويه على الطاعات ويعصمه بإذن الله من المهلكات: هو تكرر قراءة القرآن بإخلاص وتدبر وحضور وتبصر وخشوع وتفكر، ودوام ذكر الله بتعظيم لله وحضور قلب وصدق واحتساب، وكثرة مطالعة الصحاح من كتب الحديث النبوي بمحبة ويقين وتفهم، ثم الانكباب على أقوال السلف وأخبارهم وقصصهم وآثارهم بتأمل وإنصاف وسلامةِ قصد وحسنِ تصور، فإن أقوال الصحابة والتابعين وقصصهم في باب الزهد والتزكية وأعمال القلوب ما هي إلا تفسير لآيات وأحاديث هذا الباب، وشرح لها وتقريب، وما هي إلا أقوال وقصص من هم أعلم منا بنصوص الوحيين وأفقه منا في الدين وأعلم منا بالله تبارك وتعالى رب العالمين وأخشى له وأعظم اجتهادًا في مرضاته، فما أنفعها من آثار وما أرفعها من علوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت