وقال الخطيب بعد أن ذكر نماذج من ألفاظ بعض النقاد في الجرح بفعل بعض المباحات أو مواقعة بعض المكروهات ، أو فعل ما يختلف في تحريمه ، قال:"وكذلك قول الجارح: (إن فلانًا ليس بثقة) ، يَحتمل أن يكون لمثل هذا المعنى ، فيجب أن يفسَّر سببه" (1) .
قلت: ويُصَدِّق هذا أن يحيى بن معين سُئل عن يونس بن خباب ؟ فقال:"ليس بثقة ، كان يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس بثقة" (2) .
قلت: فأعاد ابن معين هذه اللفظة حين فسرها هنا إلى معنى غير الحديث .
فحيث (3)
(1) قلت: هذا الإيجاب لا وجه له إلا إذا قوي احتمال أن يكون المراد جرحًا غير معتبر أو غير مؤثر ؛ وأما ابتداءً فقد عُرف الأصل في إطلاق هذه اللفظة ، وهو ما تقدم بيانه.
(2) سؤالات ابن الجنيد (559) .
(3) إذا كان معنى (حيث) هنا هو الشرط والتقييد ، فالكلام صحيح مقبول في جملته، ولكن إذا كان معناها التعميم ، والتفريع على ما تقدم ، وكأن معنى (فحيث) هنا هو (فلما) ، فحينئذ يكون هذا الاستنتاج غير مقبول.
وبعبارة أخرى: إن كان يريد أن يقول: لقد قام البرهان على أن دلالتها محتملة لأكثر من معنى ، فقد يراد بها الضعف المسقط أو غير المسقط ، بل الجرح المعتبر أو غير المعتبر ، ولذلك لا يصح عدُّها من قبيل الجرح الشديد بمجرد إطلاقها ، بل هي معدودةٌ في جملة ألفاظ الجرح المجملة ، لا يُعتد بها مجردةً حتى تفسَّر؛ أقول: إن كان يريد ذلك فكلامه مردود.
ويقوي كونَ هذا هو المراد قوله فيما يأتي (وعليه فهي لاحقة) ، وهو كلام غير مقبول أيضًا .
ثم إن احتمال كونها جرحًا غير معتبر فهو احتمال غير معتبر ولا ملتفَتٌ إليه.
والتحقيق أن هذه اللفظة الأصل فيها أنها جرح شديد ، وهذا هو المتبادر.
وقد تقوم القرينة على أنها جرح معتبر ولكنه غير شديد فهو يُسقط صاحبه عن منزلة الاحتجاج ولا يُسقطه عن منزلة الاعتبار والاستشهاد، فهذا الاحتمال يُصار إليه بالقرائن الكافية.
ويندر بل يبعد أن يكون المراد جرحًا غير معتبر؛ ومعلوم أنه لا عبرة بالنادر من الاحتمالات ، ولا التفات إلى البعيد منها.