قلت: وليس في هؤلاء من يبلغ الترك سوى حرام بن عثمان ، بل هم بين صدوق ، أو (1) صالح يعتبر به). انتهى.
قلت: في هذا التمثيل نظر ، لأنه لم يقم دليل على أن هؤلاء غير متروكين عند مالك ، بل يظهر أنهم متروكون عنده ، ويظهر أنه إنما تركهم لأنه لا يثق بهم ، ومن ثَمَّ عبر عن ذلك في حق كل واحد منهم بقوله (ليس بثقة) ؛ فالترك عند مالك قد يكون له معنى آخر ، غير معنى الترك عند غيره من الجمهور ؛ فمالك لا يروي إلا عن ثقة عنده ، وهو يترك كل من لا يثق به ثقة كافية ، وهو يحرص على أن يروي عن الثقات عنده من أهل بلده ، يؤيد ذلك قوله في آخر الأثر المذكور (لو كان ثقة لرأيته في كتبي) .
والحاصل أنه يظهر أن كلُّ متروكٍ عمدًا عند مالك فهو غير واثق به في الرواية ، ومن ثمَّ فهو يطلق على هذا الصنف من الرواة كلمة (ليس بثقة) ، ولذلك فإن هذه الكلمة إذا وردت في كلام مالك فممكن أن تحمل على نفي الوثاقة المحتج بصاحبها عند الجمهور، وممكن أيضًا أن تحمل على المتروكين عند مالك، ولو كان فيهم من هو ثقة عند جمهور النقدة، وهنا يجب مراعاة القرائن ليستبين المراد.
وتعقب ابن القطان الفاسي قول مالك ذلك في شعبة مولى ابن عباس فقال:"إن مالكًا لم يضعفه ، وإنما شحَّ عليه بلفظة: ثقة ، وقد كانوا لا يطلقونها إلا على العدل الضابط وربما قالوا: (ليس بثقة) للضعيف أو المتروك ، فإذًا هو لفظ يتفسَّر مرادُ مطلِقِه بحسب حال من قيل فيه ذلك" (2) .
(1) لعلها واو.
(2) بيان الوهم والإيهام (5/325) .