نعم ، قد يكون في ذلك الجانب أيضًا قوة من جهة أخرى ، وهو أن المتن الذي تتعدد طرقه أقوى من المتن الذي ليس له إلا طريق واحدة .
فالذي يظهر من هذا أن لا يحكم لأحد الجانبين لحكم كلي ؛ بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد إذا لم يكن فردًا غريبًا: أقوى مما أخرجه أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه الآخر ، وقد يكون العكس إذا كان ما اتفقا عليه من [حديث] صحابي واحد فردًا غريبًا ، فيكون ذلك أقوى منه ، والله أعلم ) . انتهى .
وممن خالف اصطلاح الجمهور في هذه اللفظة أيضًا أبو البركات ابن تيمية الجَدّ ، ومِن قَبله أبو نعيم الأصبهاني.
استعمل أبو البركات في كتابه (منتقى الأخبار) لفظة (متفق عليه) في وصف الحديث الذي اجتمع على روايته الشيخان في (صحيحيهما) والإمامُ أحمد في (مسنده) ؛ وهو اصطلاح مخالف للجمهور ، لأنه اشترط في هذا الوصف - زيادةً على الجمهور - مشاركةَ الإمام أحمد للشيخين في إخراج الحديث ؛ ولكنه قد نَبَّه على اصطلاحه هذا في أول كتابه (المنتقى) فلا محذور فيه ولا مانع منه ، وإن كانت موافقة الجمهور في الاصطلاح المشهور أكمل وأولى .
وأما أبو نعيم الأصبهاني فإن من اصطلاحاته في كتابه (حلية الأولياء) - ويظهر أن ذلك مطرد في سائر كتبه - أنه يطلق لفظة (متفق عليه) على الحديث الذي اجتمعت فيه شروط الصحة عند علماء الحديث ؛ فهو لا يقْصر هذه اللفظة على ما اشترك في إخراجه الشيخان البخاري ومسلم واتفقا عليه .
إذن وصفُ أبي نُعيم لحديث بأنه"متفق عليه"لا يلزم منه أن البخاري ومسلمًا أخرجا ذلك الحديث، ولكنه يعني به أن ذلك الحديث اجتمعت فيه شروط الصحة المتفق عليها ؛ ثم لعله يُدخل تحت هذا الاصطلاح كل ما اتفق عليه الشيخان ولو خالفهما فيه بعض النقاد ؛ وإذا صدق هذا الظن يكون اصطلاح أبي نعيم في هذا الباب أعم من اصطلاح الجمهور .