وأما مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة فكتاب جليل حافل ماتع أثنى عليه العلماء ، وصفه ابن كثير في (البداية والنهاية) (10/315) بقوله: (المصنَّف الذي لم يُصنِّف أحدٌ مثله قط ، لا قبله ولا بعده) ؛ انتهى ، ومِن قبْلُ قد قال الإمامُ أبو عبيد القاسم بن سلام: (ربانيو الحديث أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام: أحمد بن حنبل ؛ وأحسنهم سياقةً للحديث وأداءً: علي بن المديني ؛ وأحسنهم وضعًا لكتاب: أبو بكر بن أبي شيبة ؛ وأعلمهم بصحيح الحديث من سقيمه: يحيى بن معين) (1) ؛ وقال الرامهرمزي في (المحدث الفاصل) (ص 614) : (وتفرد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة الترتيب وحسن التأليف) .
وقد ظهر منه طبعات كثيرة تكلم عليها أو على أكثرها محققا طبعة مكتبة الرشد (1/338-353) ، وأيضًا طبع مؤخرًا بتحقيق محمد عوامة .
ترد هذه الكلمة في عرف أهل العلم على وجهين من الاستعمال:
الوجه الأول: أن يصفوا بهذه الكلمة المكثر من التصانيف والمشهور بتصانيفه ، مثل الخطيب البغدادي والبيهقي وأبي سعد السمعاني وابن الجوزي وابن عساكر ، وهذا كثيرًا ما يرد في كتب التراجم ونحوها ، إما للتعريف بالمترجَم وبيان منزلته في العلم ، وإما لتمييزه عن غيره ممن يشاركه في بعض اسمه ، كابن سعد وابن عساكر وابن قدامة ، فهؤلاء من أسُر علمية شهيرة ، فإن قيل في ابن سعد:"المصنفَ"أعان ذلك على تمييزه ؛ وقال ابن الصلاح في (المقدمة) (ص235) : (وكنتُ قد قرأت بمرو على شيخنا المكثر أبي المظفر عبد الرحيم بن الحافظ المصنف أبي سعد السمعاني رحمهما الله ) إلخ .
والمكثر إذا أطلقت في مثل هذا السياق فمعناها المكثر من الطلب والشيوخ وجمع الأصول والقراءة والتصنيف ونحو ذلك .
(1) تاريخ بغداد) (10/69) و (سير أعلام النبلاء) (11/127) .