فهرس الكتاب

الصفحة 1509 من 1631

ثم قال الشيخ إبراهيم حفظه الله ونفع به: (وقد يبدو لأول وهلة أن المسلك الثاني هو الأسلم، لأن فيه تأويلًا لكلام النقاد لا ردًا له؛ وعند التأمل فإن المسلك الأول أسلم بلا شك ، فهو نظرٌ في كلام المتقدمين وتقريرٌ له على حقيقته ثم مخالفته باجتهاد أخطأ أو أصاب، وأما المسلك الثاني فهو تقييد لكلام النقاد وقصرٌ له على بعض أفراده، مع أن نصوصهم وأقوالهم تأباه، وذلك لأمور:

الأول: أن جعل النكارة في كلام النقاد على معنيين اصطلاحي بمعنى التضعيف والرد، ولغوي بمعنى التفرد: بعيد جدًا، فكلامهم محمول على الاصطلاح، والتفريق يحتاج إلى دليل قوي، كيف والدليل يدل على نقيضه؟! فإن كلامهم على تفرد الثقة واستنكاره يصحبه في الغالب ما يشير إلى المراد، وهو رده وتضعيفه، كما في الأمثلة السابقة من المبحث الأول، إذ قد يسميه وهمًا أو خطأ أو يقول: لا أصل له، ونحو ذلك.

والمتأمل في إطلاقهم لفظ (النكارة) وما تصرف منه مثل: حديث منكر وأحاديث مناكير واستنكر عليه وأنكرت من حديثه وكان فلان ينكر عليه حديث كذا وذكرت له الحديث الفلاني فأنكره ونحو ذلك .. يدرك [أن] المقصود بها التضعيف والرد.

ثم إن تمييز نوع النكارة في نصوص النقاد على قولهم هذا كيف يمكن ضبطه؟! إن رجع الأمر إلى درجة الراوي لم يكن للتفرد حينئذ كبير معنى، ونصوصهم تدل على أن هذا النوع من النقد يدور عليه، على أن ربطه بدرجة الراوي يجعل الأمر مضطربًا، فإن الراوي متى كان فيه توثيق معتبر أمكن أن يذهب ذاهب إلى تفسير النكارة في حديث استنكر عليه بأن المقصود بها التفرد لا التضعيف، وجوابهم عن هذا سيكون ضعفه ظاهرًا.

الثاني: أن النقد بالتفرد لم يقتصر على لفظ (النكارة) فقد استعملوا فيه مصطلحات أخرى كثيرة، كالتعبير عنه بأنه خطأ، أو لا أصل له، أو باطل، أو لم يتابع عليه، ونحو ذلك، فهذه ألفاظ لا يمكن صرفها إلى معنى لغوي، فيحصل التناقض في معنى واحد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت