فإن كان المطالع عالمًا فطنًا، بحيث لا يخفى عليه في الغالب مواضع الاسقاط والسقط وما أحيل عن جهته إلى غيرها، رجونا أن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك؛ وإلى هذا - فيما أحسب - استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب الناس والعلم عند الله تعالى.
هذا كله كلام فيه كيفية النقل بطريق الوجادة) (1) .
(1) تتمة كلامه: (وأما جواز العمل اعتمادًا على ما يوثق به منها: فقد روينا عن بعض المالكية أن معظم المحدثين والفقهاء من المالكيين وغيرهم لا يرون العمل بذلك؛ وحُكي عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جواز العمل به؛ قلت: قطع بعض المحققين من أصحابه في أصول الفقه بوجوب العمل به عند حصول الثقة به؛ وقال:"لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبوه"؛ ما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخره، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها، على ما تقدم في النوع الأول، والله أعلم) .
وقال العلامة أحمد محمد شاكر في (الباعث الحثيث) (ص130) و (شرح ألفية السيوطي) (ص140) :(وأما العمل بها: فقد اختلف فيه قديمًا .
وقطع بعض المحققين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارئ ، أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه ، أو يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه ؛ ومن البديهي بعد ذلك اشتراط أن يكون المؤلف ثقة مأمونًا ، وأن يكون إسناد الخبر صحيحًا - حتى يجب العمل به).
ثم ذكر أحمد شاكر استدلال بعض العلماء للعمل بالوجادة ببعض الأحاديث ثم قال عقب ذلك الاستدلال (ص131) :
(فيه نظر ، ووجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه ، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ ، وثقة المكلف بأن ما وصل إلى علمه صحَّتْ نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والوجادة الجيدة التي يطمئن إليها قلب الناظر لا تقل في الثقة عن الإجازة بأنواعها ، لأن الإجازة - على حقيقتها - إنما هي وجادة معها إذن من الشيخ بالرواية ، ولن تجد في هذه الأزمان من يروي شيئًا من الكتب بالسماع ، إنما هي إجازات كلها، إلا فيما ندر .
والكتب الأصول الأمهات في السنة وغيرها: تواترت روايتها إلى مؤلفيها بالوجادة واختلاف الأصول العتيقة الخطية الموثوق بها ؛ ولا يتشكك في هذا إلا غافل عن دقة المعنى في الرواية والوجادة ، أو متعنت لا تُقنعه حجة ) .
قلت: وفي هذا العصر عصر الطباعة صار كل الاعتماد في نشر كتب المتوفَّين من المؤلفين من الكتب القلمية القديمة والحديثة، على الوجادة والقرائن ، إلا فيما ندر مما هو إجازة أو مناولة أو غير ذلك ، كما ذكره الشيخ ؛ ولذلك صار التحقيق الوافي ضرورة قائمة وحتم لازم .