فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 1631

وقد يمنع العالم طلبة الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث لعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يروى [أي ربما رووه في المكان أو المقام الذي لا ينبغي لهم أن يروونه فيه] . ولكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني [نفسه] ثقة فاضل لم ينسب إلى بدعة [ثم شرح المعلمي مع المناقشة أقوال الجوزجاني وابن قتيبة وابن دقيق العيد وابن حجر في حكم رواية المبتدع] .

هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيرًا مما يوافق ظاهرُه بِدَعَهم؛ وأهل العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها ولا في راويها بروايته لها [ذكر في الهامش مثالين أحدهما من (صحيح مسلم) والآخر متفق عليه] ؛ بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جدًا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إلا أن لها عللًا أخرى؛ ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك، ضعفها أهل العلم، بعضها بضعف بعض من فوق الأعمش في السند، وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس؛ ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في (تاريخه الصغير) (ص68) ووهنه بتدليس الأعمش؛ وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين.

هذا وقد مر تحقيق علة رد الداعية [فليست علة الرد هي الدعوة نفسها، بل ما دلت عليه الدعوةُ وكشفَت الستارَ عنه مما تقدم شرحه] ، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمَن منه ما ينافي العدالة؛ فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع (1) روى ما يقوي بدعته ولو لم يكن داعية: وجب أن لا يُحتج بشيء من مرويات من كان كذلك ولو فيما يوهن بدعته (2) ؛ وإلا - وهو الصواب - فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور [الحكم] مع العلة [وجودًا وعدمًا] .

فذاك المروي المقوي لبدعة راويه:

إما غير منكر فلا وجه لرده فضلًا عن رد راويه.

(1) يعني في أي مبتدع.

(2) أي لا يحتج بشيء من مروياته ، ولو كان في ذلك الشيء ما يوهن بدعته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت