إنني تكلمت في هذا الحديث ولي سلف تقدم نقْلُ كلامهم، وهم الإسماعيلي الحافظ الناقد الجهبذ، والبيهقي الحافظ الواسع الاطلاع على أقوال علماء العلل، ثم الداوودي؛ ومستندي في هذا الأصل ما شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية من طريقة الإمام البخاري في الأحاديث المتعارضات، وجرّأني على ذلك أيضًا ما اتضح لك من ضعف طريقة المتأخرين في الكلام على هذا الحديث، كما تقدم، فهذا يتكلم بتكلف ليجمع بين الأحاديث المتعارضات، وذاك يُبعد في التأويل بلا دليل، وثالث لا أدري كيف أعبر عن صنيعه، هل أقول: كلامه يشعر بنقد طريقة أنس رضي الله تعالى عنه في رواية الحديث، أو أقول: ألقى اللومَ في هذا الاختلاف بين ظاهر الروايتين على أنس رضي الله عنه دون غيره من رجال السند؟
إن القول بأن ابن المثنى وهِمَ لهو أهون ألف مرة وأقرب ألف مرة وأصح ألف مرة من أن يقال: إن أنس جزم بأمر لم يحط به علمًا، وصرح بخبر يستحيل أن يعلمه على حقيقته، بسبب كثرة الصحابة وانتشارهم ونحو ذلك مما تقدم التعليل به في كلام المازري ؛ اللهم عفوًا وغفرًا .
وقال ابن حجر في (فتح الباري) (9/246) : (وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك) .
قلت: هذا الكلام صحيح في أصله ، ولكن عادة ابن حجر أنه يتوسع في هذا الأمر ؛ ولعل التحقيق في هذا الباب هو أن الإمام البخاري لا يورد في كتابه حديثًا مسنَدًا مرفوعًا وهو معلول ، من غير أن يشير إلى علته أو يصرح بها ، ثم هو في الوقت نفسه إذا احتاج إلى إعادة حديث فإنه يعيده ، ولكن قد يعيده من طريق فيها علة متنية أو سندية ، قال ابن حجر في (الفتح) (1/84) : (تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث إلا لفائدة؛ ولكن تارة تكون في المتن وتارة في الإسناد وتارة فيهما ؛ وحيث تكون في المتن خاصة: لا يعيده بصورته؛ بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه: أورد لكل بابٍ طريقًا ، وإن قلَّت: اختصر المتن أو الإسناد) .