(وقال الشيخ تقي الدين السبكي إنه سأل الحافظ جمال الدين المزي عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه: الحافظ ؟ فقال: يُرجع إلى أهل العرف ، فقلت: وأين أهل العرف ؟ قليل جدًا ! ؛ قال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ، ليكون الحكم للغالب ؛ فقلت له: هذا عزيز في هذا الزمان ، أدركت أنت أحدًا كذلك ؟ فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي ؛ ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة ، ولكن أين السها من الثرى ؟!
فقلت: كان يصل إلى هذا الحد ؟ قال: ما هو إلا كان يشارك مشاركة جيدة في هذا ، أعني في الأسانيد ، وكان في المتون أكثر لأجل الفقه والأصول .
وقال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس: وأما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية وجمع رواة ، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره ، وتميز في ذلك حتى عُرف فيه خطه ، واشتهر فيه ضبطه ؛ فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقةً بعد طبقة ، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها ، فهذا هو الحافظ ؛ وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم"كنا لا نعدّ صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء"فذلك بحسب أزمنتهم ؛ انتهى) ؛ اهـ .
ثم نقل السيوطي (1/48-49) جواب العراقي لتلميذه ابن حجر إذ سأله عن الحد الذي إذا بلغه الطالبُ في زمانهما استحق أن يسمى حافظًا .
ومن جملة ما ورد في كلام العراقيِّ قولُه: (وقد رُوي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة(1) ، فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والاتقان ، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ ، وكم من حافظ غيره أحفظ منه ) .
ثم قال السيوطي (1/49) :
(ومن ألفاظ الناس في معنى الحفظ:
(1) أرى أن هذا أثر منكر يبعد أن يقول مثلُ الزهريِّ مثلَه .