وأما الضبط فبرهان ثبوته لكل صحابي هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل أخبار الصحابة ، ولا يرد منها إلا ما عَلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك المُخبِر واهم فيه ، وأيضا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل آحاد الصحابة يبلغون عنه الناس أشياء سمعوها منه صلى الله عليه وسلم؛ وعلى ذلك جرى الصحابة والتابعون ، فإنهم كانوا يقبلون خبر الصحابي دون أن يقسموا الصحابة إلى أصحاب ضبط ، وغير ضابطين ، أو نحو ذلك ، والأصل عندهم أنهم يقبلون أخبار بعضهم إلا إذا قامت عند السامع قرينة على احتمال أن ذلك المخبر واهم في خبره ، وما أقل ما روي من مثل هذه الوقائع ؛ وعلى هذا أيضًا استمر عمل علماء الإسلام إلى يومنا هذا، فلا أعلم أحدًا من العلماء المعتمدين ضعَّف أحدًا من الصحابة - الذين هم عنده صحابة - لا من جهة عدالة ، ولا من جهة ضبط؛ والأُمة قد عملت بمقتضى توثيق جميع الصحابة وبَنَتْ دينَها على ذلك.
ومن المقطوع به أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة خوفهم من الله تعالى وحرصهم على دينهم وتعظيمهم لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ليحدثوا غيرهم من المسلمين بشيء من أمور الدين إلا بما علموا أنهم حفظوه وأتقنوه من الأحاديث ، ومعلوم أن كل واحد من الناس يميز في غالب أحواله ما ضبطه ووعاه من المسائل ، مما شك فيه ولم يضبطه ، منها.
والأدلة على توثيق الصحابة رضي الله عنهم - وهم القرن الأول من حملة هذا الدين العظيم ورواته - متكاثرة ، ولكن في مجموع ماذكرته هنا كفاية .