وقوله: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا(145)
ثُمَّ قَالَ جل وجهه: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وإن شئت (تَكُون) وَفِي (الميتة) وجهان الرفع والنصب.
ولا يصلح الرفع فِي القراءة لأن الدم منصوب بالرد عَلَى الميتة وَفِيهِ ألف تَمنع من جواز الرفع. ويَجوز (أن تكون) لتأنيث الميتة، ثُمَّ تردّ ما بعدها عليها.
ومن رفع (الميتة) جعل (يكون) فعلا لَهَا، اكتفى بـ (يكون) بلا فعل.
وكذلك (يكون) فِي كل الاستثناء لا تَحتاج إلى فعل، ألا ترى أنك تَقُولُ: ذهب الناس إلا أن يكون أخاكَ، وأخوكَ.
وإنّما استغنت كَانَ ويكون عَن الفعل كما استغنى ما بعد (إلا) عَن فعل يكون للاسم.
فلما قيلَ: قام الناس إلا زيدًا، وإلا زيد فنصب بلا فعل ورفع بلا فعل صلحت (كَانَ) تامة.
ومن نصب: قَالَ كَانَ من عادة (كَانَ) عند العرب مرفوع ومنصوب، فأضمروا فِي كَانَ اسمًا مجهولا، وصيّروا الَّذِي بعده فعلا لذلك المجهول. وَذَلِكَ جائزٌ فِي كَانَ، وليس، ولم يزل، وَفِي أظنّ وأخواتها: أن تَقُولُ: أظنه زيد أخوك وأظنّه فيها زيد.
ويَجوز فِي إنّ وأخواتها كقول الله تبارك وتعالى: يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ وكقوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فتذكر الْهَاء وتوحدها، ولا يَجوز تثنيتها ولا جمعها مع جمع ولا غيره. وتأنيثها مع المؤنث وتذكيرها مع المؤنث جائز فتقول: إنّها ذاهبة جاريتك، وإنه ذاهبة جاريتك.
فإن قلت: كيف جاز التأنيث مع الأنثى، ولم تَجز التثنية مع الاثنين؟
قلت: لأن العرب إِنَّما ذهبت إلى تأنيث الفعل وتذكيره، فلمّا جازَ (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وَ (أَخَذَتِ) جازَ التأنيث، والتذكير. ولَما لَمْ يَجز:
قاما أخواك ولا قاموا قومك، لَمْ يَجز تثنيتها ولا جَمعها.
فإن قلت: أتُجيز تثنيتها فِي قول من قَالَ: ذهبا أخواك؟
قلت: لا، من قِبل أن الفعل واحد، والألف التي فيها كأنّها تدلّ عَلَى صاحِبي الفعل، والواو في الجمع تدل عَلَى أصحاب الفعل، فلم يستقم أن يكنى عَن فعل واسم فِي عقدة، فالفعل واحد أبدًا لأن الَّذِي فِيهِ من الزيادات أسماء.
وتقول فِي مسألتين منه يستدل بِهما عَلَى غيرهما: إنَّها أسَد جاريتك، فأنثت لأن الأسد فعل للجارية، ولو جعلت الجارية فعلا للأسد ولِمثله من المذكر لَمْ يَجز إلا تذكير الْهَاء.
وكذلك كل اسم مذكر شبهته بمؤنث فذكّر فيه الهاء، وكل مؤنث شبهته بِمذكر ففيه تذكير الْهَاء وتأنيثها فهذه واحدة.
ومتى ما ذكَّرت فعل مؤنث فقلت: قام جاريتك، أو طالَ صلاتك، ثُمَّ أدخلت عَلَيْهِ إنه لَم يَجز إلا تذكيرها، فتقول: إنه طال صلاتك فذكَّرتها لتذكير الفعل، لا يَجوز أن تؤنث وقد ذكّر الفعل.