فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 1019

وقوله: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ ...(246)

جاءت (أن) فِي موضع، وأسقطت من آخر فقال فِي موضع آخر: «وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ» وقال فِي موضع آخر: «وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» فمن ألقى (أن) فالكلمة على جهة العربية التي لا علة فيها، والفعل فِي موضع نصب كقول اللَّه - عز وجل: «فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ» وكقوله: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ»

فهذا وجه الكلام في قولك: مالك؟ وما بالك؟

وما شأنك: أن تنصب فعلها إذا كان اسما، وترفعه إذا كان فعلا أوله الياء أو التاء أو النون أو الألف كقول الشاعر:

مالك ترغين ولا ترغو الخلف الخلفة: التي فِي بطنها ولدها.

وأما إذا قال (أن) فإنه مما ذهب إلى المعنى الَّذِي يحتمل دخول (أن) ألا ترى أن قولك للرجل: مالك لا تصلي فِي الجماعة؟ بمعنى ما يمنعك أن تصلي، فأدخلت (أن) فى (مالك) إذ وافق معناها معنى المنع. والدليل على ذلك قول اللَّه عز وجل: «مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» وفي موضع آخر: «مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ»

وقصة إبليس واحدة، فقال فيها بلفظين ومعناهما واحد وإن اختلفا.

ومثله ما حمل على معنى هُوَ مخالف لصاحبه فِي اللفظ قول الشاعر:

يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ... ألا هَلْ أخو عيشٍ لذيذ بدائم

فأدخل الباء فِي (هَلْ) وهي استفهام، وإنما تدخل الباء فِي ما الجحد كقولك: ما أنت بقائل. فلما كانت النية فِي (هَلْ) يراد بها الجحد أدخلت لها الباء. ومثله قوله فِي قراءة عبد الله «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ» : ليس للمشركين. وكذلك قول الشاعر:

فاذهب فأي فتى في الناس أحرزه ... من يومه ظلم دعج ولا جبل

(رد عليه بلا) كأن معنى أي فتى فِي الناس أحرزه معناه: ليس يحرز الفتى من يومه ظلم دعج ولا جبل. وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: أَيْنَ كنت لتنجو مني! لأن المعنى: ما كنت لتنجو مني، فأدخل اللام فِي (أَيْنَ) لأن معناها جحد:

ما كنت لتنجو مني. وقال الشاعر:

فهذى سيوف يا صدى بْن مالك ... كثير ولكن أين بالسيف ضارب

أراد: ليس بالسيف ضارب، ولو لم يرد (ليس) لم يجز الكلمة لأن الباء من صلة (ضارب) ولا تقدم صلة اسم قبله ألا ترى أنك لا تقول: ضربت بالجارية كفيلا، حَتَّى تقول: ضربت كفيلا بالجارية. وجاز أن تقول: ليس بالجارية كفيل لأن (ليس) نظيرة ل (ما) لأنها لا ينبغي لها أن ترفع الاسم كما أن (ما) لا ترفعه.

وقال الكسائي فِي إدخالهم (أن) فِي (مالك) : هُوَ بمنزلة قوله: «ما لكم فِي ألا تقاتلوا» ولو كان ذلك على ما قال لجاز فِي الكلام أن تقول: مالك أن قمت، وما لك أنك قائم لأنك تقول: فِي قيامك، ماضيا ومستقبلا، وذلك غير جائز لأن المنع إنما يأتي بالاستقبال تقول: منعتك أن تقوم، ولا تقول: منعتك أن قمت.

فلذلك جاءت فِي (مالك) فِي المستقبل ولم تأت فِي دائم ولا ماض. فذلك شاهد على اتفاق معنى مالك وما منعك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت