وقوله: (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ(21) إذ دخلوا (22)
قد يُجاء بـ (إذ) مرّتين، (وَقَد) يكون معناهما كالواحد كقولك: ضَربتك إذ دخلت عَليّ إذ اجترأت، فيكون الدخول هو الاجتراء.
ويكون أن تجعل أحدهما عَلَى مذهب (لَمَّا) ، فكأنه قَالَ: إذ تسَوَّرُوا المحراب لَمَّا دخلوا.
وإن شئت جعلت (لَمَّا) فِي الأول.
فإذا كانت (لَمَّا) أولًا وآخرًا فهي بعد صاحبتها كما تَقُولُ: أعطيته لمَّا سألني. فالسؤال قبل الإعطاء فِي تقدّمه وتأخّره.
وقوله: (خَصْمانِ) رفعته بإضمار (نحن خصمان) والعرب تضمر للمتكلّم والمكلّم المخاطب ما يرفع
فِعْله. ولا يَكادونَ يفعلونَ ذَلِكَ بغير المخاطب أو المتكلم.
من ذَلِكَ أن تَقُولَ للرجل: أذاهب، أو أنْ يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله ومحسن إليكم.
وَذَلِكَ أن المتكلم والمكلَّم حاضِران، فتعرف معنى أسمائهما إِذَا تركت.
وأكثره فِي الاستفهام يقولون: أجادّ، أمنطلق.
وقد يكون في غير الاستفهام.
فقوله (خَصْمانِ) من ذَلِكَ.
قَالَ الفراء: جاء ضيف إلى امرأة ومَعه جِرابُ دقيق، فأقبلت تأخذ من جرابه لنفسها، فلمّا أقبل أخذت من جِرابها إلى جرابه. فقال: ما تصنعين؟ قالت: أزيدك من دقيقي. قَالَ: محسنة فهيلي. أي أَلْقِي. وجاء فِي الآثار: مَن أعانَ عَلَى قتل مؤمنٍ بشَطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بَيْنَ عينيه:
يائس من رحمة الله. وكلّ هَذَا بضمير ما أنباتك بِهِ.
ولو جاء فِي الكتاب: خصْمَين بغى بعضُنَا لكان صَوَابًا بضمير أتيناكَ خصمين، جئناكَ خَصْمين فلا تَخفنا. ومثله قول الشاعر:
وقالت ألا يا اسمع نِعظك بخُطَّةٍ ... فقلت سَميعًا فانطقى وأصيبى
أي سميعًا أسمعُ منك، أو سميعًا وَعَظْتِ. والرفعُ فيه جائز على الوجوه الأول.