"لن تنفعني دموعك يا أبت يوم القيامة، إن الدم الذي يسيل في سبيل الله هو الذي ينفعني وينفعك وينفع امتنا الجريحة"، لا يكاد المرء يصدق أن تخرج هذه الحكم بكلماتها المنيرة القوية تصيغها مشاعر شاب صغير في زماننا هذا البأس الفقير، إنها لو صدرت في عهد الصحابة أو التابعين لتناقلتها الكتب وتصدرتها المؤلفات. ولو كانت في ديار الصليب والمجوس وعباد الوثن لكتبت بماء الذهب .. لكنها كانت شهيد في أرض أفغانستان المباركة إنه الشهيد محمد عبيد ابو طارق.
لقد خاض الشهيد محمد عبيد قبل المعارك اعتى المعارك النفسية مع أهله الذين قذفوا بكل ما لديهم من محاولات لزحزحت هذا الجبل الأشم الراسخ عن موقفه المبدأي المنبثق من عقيدة التوكل والدافعة للجهاد في سبيل الله، بيد أن جميع محاولاتهم استعصت عليه وبات بالفشل التام لتنصر قوة الإيمان على عنفوان العاطفة الجياشة والمتوثبة لصده عن عقيدته ودينه لأجل العواطف التي ربما تكون سببا في هلاك كثير من الناس .. صد المجاهد أمام تلك الأعاصير التي لا يصمد تجاهها إلا الراسخون في اليقين، لكن أهله الكرام بعاطفتهم القوية تجاه ابنهم عرفوا حتما بعد السنين الطوال كم كان أبنهم بارا بهم، وأراد لهم الخير بشفاعته لهم بمستقبله ومستقبلهم المنشود في الآخرة"يوم يقوم الناس لرب العالمين"وأنه صاحب العقل وكمال النفس والتصور والإدراك لحقيقة واقع أمتنا وفرضة وواجباته.
شهيدنا محمد عبيد الدسمان أبو طارق عمره قريبا من (21) سنة، درس في الكلية البحرية، وأخذ دورة عسكرية في بريطانيا، وتخرج ملازم أول، كان حديث عهد بالالتزامه الإسلام، ولكن حقيقة الإيمان وحلاوته باشرت قلبه فاختصرت رحلة الإيمان بجهاده في سبيل الله ليصل إلى أعلى درجة بأقصر طريق مستقيم وأقل زمنا وجهدا كان من الآخرين وأصبح من الأولين .. إنه الجهاد الذي يقطع مفاوز الإيمان بلحظات، وإذا بالمجاهدين في أعلى الجنان .. لقد أنست حلاوة الإيمان في الجهاد قلب المهاجر المقبل على الله تعالى متاع الدنيا وزخرفها، فلفظها غير آسف عليها، فما هي إلا محزنة ومجبنة ومبخلة. لكن الجهاد قد تغلغل حبه في قلب شهيدنا وملك عليه نفسه، فباع كل شيء الأهل، المال، الوطن، الوظيفة ليرضي الله مولاه خالقه