حقا لقد كانت تلك قصة كل شهيد ترك الأهل والخلان وهاجر الأوطان في سبيل الواحد الديان لنصرة دين الله، وها نحن نتعرض لحياة شهيد عرفناه فترة قصيرة بين ظهرانينا، جاء من أرض الجزائر، بعد أن عرف العزة والكرامة وورث الجهاد عن أمة أبت الذل والهوان، شد رحاله مهاجرا ولسان حاله يقول:"إني مهاجر إلى ربي سيهدين"نعم لقد من الله عليه بالهداية أن أخرجه من حياة الظلم والفساد وأتى به إلى مصانع الأمجاد ومفاخر الأنداد. وضع رحاله في معسكر التدريب وأخذ قسطا كافيا يؤهله لخوض المنايا وغمار الحروب وميادين النزال .. يسأله إخوته إلى أين يا عبد الرشيد؟، فيجيبهم:"إلى خوست سمعت بعمليات حامية الوطيس هناك ولا بد أن أشارك فيها أو على الأقل أن أحضرها خادما لإخواني"، وفعلا انطلق شهيدنا بكل عزم وفداء وتصميم وإباء وإيمان ويقين .. أنطلق يطلب الموت مضانه، فإما نصر يعز به الدين وإما شهادة في الخالدين
ونفس الأبي لها غايتان ... ورود المنايا ونيل المنى
وصل جبهة خوست وما إن وضع قدميه حتى طلب من الأمير أن يعيّنه في الخدمة -صفة الشهداء- .. نعم لقد أصبحت حقيقة واقعية وملموسة أن يسعى عشاق الحور إلى الشهادة عن طريق الخدمة في"المطبخ"!! إنه التواضع والرضا بالقضاء ذاك الجو الذي يرفع من قيمة الخدمة، فإن"كان في الساقة كان في الساقة وإن كان في الحراسة كان في الحراسة"، وكم حرم بعض المجاهدين من هذا النعيم -نعيم الخدمة- لمجرد عدم صبرهم وتوثبهم للإنطلاق إلى المقدمات وخوض الحروب، ولم تك تأت الشهادة غالبا لمن يخوضون المعارك مع وجودها، إنما كان أكثرهم في الرباط والرضا بمواقعهم وثباتهم فيها، وهذا مهم في معركتنا مع الأعداء.
في الخدمة وطاعة أمراء الجهاد تتواضع النفس وتسمو لتتأهل إلى درجات أخرى تساهم في نيل الشهادة بإذن الله تعالى .. حين تتواضع النفس يرفعها الله تعالى إلى عليين حين يريد لهم الشهادة فكمال على كمال، فما أجمل الشهداء وما أجمل كمال صفاتهم وجمالها. وقد قال
الرسول صلى الله عليه وسلم"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع".