ثم ذكر ابن حجر طعن بعض القدماء على عكرمة ، وحاول الدفاع عنه ، ومما قاله في تضاعيف ذلك قوله: (ويقوي صحة ما حكاه ابن حبان أنهم يطلقون الكذب في موضع الخطأ ما سيأتي عن هؤلاء(1) من الثناء عليه والتعظيم له فإنه دال على أن طعنهم عليه إنما هو في هذه المواضع المخصوصة ).
وقال ابن حجر في (لسان الميزان) في ترجمة جنادة بن مروان الحمصي: (وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث ، أخشى أن يكون كذب في حديث عبد الله بن بسر أنه رأى في شارب النبي صلى الله عليه وسلم بياضًا ، قلت: أراد أبو حاتم بقوله"كذب"أخطأ ) .
وقال المعلمي في (الأنوار الكاشفة) (ص74-75) :"البحث الثاني في حقيقة الكذب: بنى أبو رية على أنه (ليس بخاف أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه ، سواء أكان عن عمد أم غير عمد) وهو يعلم - فيما يظهر - أن هذا مخالف لقول شيخيه اللذين يقدسهما ، وإياهما ونحوهما عنى بقوله (ص4) : (العلماء والأدباء) وقوله (ص196) : (أصحاب العقول الصريحة) ، وهما النظام والجاحظ ، فالكذب عند النظام مخالفة الخبر لاعتقاد المخبِر ، وهو عند الجاحظ مخالفته لكلا الأمرين معًا: الواقع واعتقاد المخبِر ."
فعلى القولين: ما طابق اعتقاد المخبِر فليس بكذب وإن خالف الواقع .
وقد ذكر أبو رية (ص50) قول عائشة للذين حدثوها عن عمر وابنه بخبر رأت أنهما وهما فيه: (إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ، ولكن السمع يخطئ) ، وقولها في خبر رواه ابن عمر: (إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ) .
والراجح ما عليه الجمهور أن الكذب مخالفة الخبر للواقع ، لكن المتبادر من قولك: كذب فلان أو فلان كاذب ونحو ذلك أنه تعمد ، فمن ثم لا يقال ذلك للمخطئ ، إلا أنه ربما قيل له ذلك تنبيهًا على أنه قصر (راجع كتاب الرد على الأخنائي ص21) .
ولما أرادت عائشة أن تنفي عن عمر وابنه التعمد والتقصير نفت عنهما الكذب البتة". انتهى."
(1) يعني الطاعنين .