فهرس الكتاب

الصفحة 1572 من 1631

فالذي يسلكه كثير من الفقهاء: أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع ويجعل كل لفظ بمنزلة حديث مستقل؛ وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين [هو النووي] رحمه الله في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه مِن جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي صلى الله عليه وسلم، إحداهما في صلاة الظهر والأخرى في العصر من أجل صحة كل من اللفظين؛ حتى إنه قال في حديث ابن عمر (إن عمر رضي الله عنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه فأمره أن يفي بنذره) ، وجاء في رواية [أن الـ] اعتكاف المنذور يوم)، وكلاهما في الصحيح؛ فقال الشيخ محيي الدين رحمه الله: هما واقعتان، وكان على عمر رضي الله عنه نذران فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا مرة وعن الآخر مرة أخرى، واستدل بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم لأن عمر رضي الله عنه اعتكف ليلة وحدها.

وفي هذا القول نظر لا يخفى لأنه من البعيد جدًا أن يستفتي عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها لأن في كل من القصتين: أن ذلك كان عقب غزوة حنين أيام تفرقة السبي ثم إعتاقهم؛ وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق كما في الأمة والعبد في العتق؛ ولا يظن بعمر رضي الله عنه أن يخفى عليه ذلك.

والذي يقتضيه التحقيق رد إحدى الروايتين إلى الأخرى بأن كل من قال لفظًا عبر به عن المجموع، وهو أمر يستعمل به كثيرًا في كلام العرب: أن تطلق اليوم وتريد به بليلته وبالعكس؛ فكان على عمر رضي الله عنه اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فأمره بالوفاء به، عبر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت