لا يجوز في بلد أكثر من جمعة [1] .
وقال محمد: يجوز جمعتان. ورُوي: ثلاثة [2] .
لنا: أن ما زاد على جمعة في بلد واحد لا يجوز كالثالثة والرابعة، ولا يلزم بغداذ [3] ؛ لأنه يجوز ذلك فيها [4] ؛ لأن بغداذ كانت بلادًا فاتصلت عمارتها [5] . قالوا: صلاة شرع لها الخطبة، فجازت في موضعين؛
(1) ينظر: الأم (1/ 192) ، المجموع (4/ 451 ـ 456) ، مغني المحتاج (1/ 420) ، الحاوي (3/ 63) .
(2) ذكر الكرخي في إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين: أنه لا بأس بأن يجمعوا في موضعين أو ثلاثة عند محمد، هكذا ذكر. ... =
=وعن أبي يوسف روايتان، في رواية قال: لا يجوز إلا إذا كان بين موضعي الإقامة نهر عظيم، كدجلة أو نحوها؛ فيصير بمنزلة مصرين، وقيل: إنما تجوز على قوله إذا كان لا جسر على النهر، فأما إذا كان عليه جسر فلا؛ لأن له حكم مصر واحد، وكان يأمر بقطع الجسر يوم الجمعة حتى ينقطع الفصل.
وفي رواية: قال: يجوز في موضعين إذا كان المِصْر عظيمًا، ولم يجز في الثلاث، وإن كان بينهما نهر صغير لا يجوز، فإن أدوها في موضعين فالجمعة لمن سبق منهما، وعلى الآخرين أن يعيدوا الظهر، وإن أدوها معًا، أو كان لا يدري كيف كان لا تجوز صلاتهم. ورَوى محمد عن أبي حنيفة: أنه يجوز الجمع في موضعين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك.
(بدائع الصنائع(1/ 586 ـ 587) ، المبسوط (2/ 120، 121) ، مجمع الأنهر (1/ 167) ، تبيين الحقائق (1/ 218) ، الجوهرة النيرة (1/ 89) ، درر الحكام (1/ 138) ، البحر الرائق (2/ 154) ، الدرة المضيئة (1/ 205) ، حلية العلماء (2/ 297) ، الإفصاح (1/ 120 ) ) .
(3) بغداذ أم الدنيا وسيدة البلاد، فيها سبع لغات: بغداد، وبغداذ، وبغذاد، ومغداد، ومغداذ، ومغدان، وبغدان، وهي في اللغات كلها تذكر وتؤنث، وكانت في زمن الفرس قرية تقوم بها سوق للفرس، فأغار عليها المثنى في أيام سوقهم، فانتسفها. قال أحمد بن حنبل: بغداد من الصراط إلى باب التين، ثم انتقلت إلى الجانب الشرقي من الشماسية إلى كلواذي. (مراصد الإطلاع(1/ 209 ) ) .
(4) في حكم بغداد في الجمعة أربعة أوجه:
أحدها: أن الزيادة على جمعة في بغداد جائزة، وإنما جازت؛ لأنه بلد كبير يشق اجتماعهم في موضع منه، قال أصحابنا: فعلى هذا تجوز الزيادة على جمعة في جميع البلاد التي تكثر الناس فيها، ويعسر اجتماعهم في موضع. وهذا الوجه هو الصحيح، وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي.
الثاني إنما جازت الزيادة فيها؛ لأن نهرها يحول بين جانبيها فيجعلها كبلدين، قاله أبو الطيب بن سلمة، فعلى هذا لا تقام في كل جانب من بغداد إلا جمعة.
والثالث: تجوز الزيادة، وإنما جازت؛ لأنها كانت قرى متفرقة قديمة اتصلت الأبنية فأجرى عليها حكمها القديم، حكاه القاضي أبو الطيب في المجرد عن أبي عبد الله الزبيري.
قال أصحابنا: فعلى هذا يجوز تعدد الجمعة في كل بلد هذا شأنه.
والرابع: لا تجوز الزيادة على جمعة في بغداد ولا في غيرها، وهذا ظاهر نص الشافعي المذكور، ورجحه الشيخ أبو حامد والمحاملي والمتولي وصاحب العدة، قالوا: وإنما لم ينكره الشافعي على أهل بغداد؛ لأن المسألة اجتهادية، وليس لمجتهد أن ينكر على مجتهد.
والصحيح: هو الوجه الأول، وهو الجواز في موضعين وأكثر بحسب الحاجة وعسر الاجتماع، قال إمام الحرمين: طرق الأصحاب متفقة على جواز الزيادة على جمعة ببغداد، واختلفوا في تعليله، والله أعلم.
(المجموع(4/ 452 ـ 453 ) ) .
(5) ينظر: الحاوي (3/ 64) ، الدرة المضيئة (1/ 205) .