فإن قيل: قد كان أكرهها؛ ولهذا قال: هَلَكْتُ، وأَهْلَكْتُ [1] .
قيل: لو كانت مُكرَهة لما وصفها بالهلاك؛ لأن إفطارها بُعذر.
ولأنها موطوءة؛ فأشبه الموطوءة في الدُبر.
ولأنه حق مال يتعلق بالوطء، لا يتعلق بما دونه من الاستمتاع بحال؛ فلم يجب على المرأة كالمهر.
ولأن بِتَغييب بعض الحشفة يَبطل صومها؛ فيحصل الجماع بعد بطلان الصوم؛ فلا يجب عليها كفارة؛ كما لو أفطرت بابتلاع الحصاة ثم جامعها.
قالوا: حق يتعلق بالجماع ليس ببدل عن الاستمتاع؛ فاستويا فيه؛ كالقضاء، والغسل، والحد [2] .
قلنا: القضاء يتعلق بالإفطار، والغُسل بالتقاء الختانين، والحد بالزنى، وهي توصف بذلك كما يوصف الرجل؛ ولهذا يقال: زان وزانية، وعاهر وعاهرة، والكَفارة تتعلق بالجماع، ولا يوصف بذلك إلا الرجل؛ فاختص بها كالمهر.
ولأن هذه الأحكام تتعلق بالبَدن؛ فلم تتحمل كالقصاص؛ وهذا يتعلق بالمال؛ فهو كالدية.
قالوا: اشتركا في السبب الموجب للكفارة؛ فاستويا فيها كما لو اشتركا في القتل.
قلنا: لا نُسَلِّم؛ فإن السبب هو الهتك بالجماع، والهتك بالجماع لا يوجد منها؛ لأن ذلك من أفعال الرجال.
وأيضًا: فإن صومها قد بطل قبل الجماع، بخلاف القتل؛ فإن المرأة فيه كالرجل، ثم يجوز أن تكون المرأة كالرجل في الفعل، ثم ينفرد الرجل بالكفارة؛ كما أن العاقلة إذا دعت مجنونًا إلى نفسها كالعاقل إذا جامع مجنونة من الهتك، ثم ينفرد الرجل بالحد عندهم [3] .
تجب الكفارة في اللواط وإتيان البهيمة [4] .
وقال أبو حنيفة: لا تجب في إتيان البهيمة ولا في اللواط في إحدى الروايتين [5] .
(1) ينظر: م. ن.
(2) ينظر: الحاوي (3/ 277) .
(3) ينظر: الحاوي (3/ 283) .
(4) ينظر: الأم (2/ 101) ، شرح البهجة (2/ 227) ، المجموع (6/ 377) ، روضة الطالبين (2/ 261) ، الحاوي (3/ 291) ، وقال النووي: أما إتيان البهيمة في دبرها أو قبلها ففيه طريقان حكاهما المصنف والأصحاب (أصحهما) القطع بوجوب الكفارة فيه.
وهذا هو المنصوص الكفارة. روايتان عنه أشهرهما أنه لا كفارة. لأنه لا يحصل به الإحصان والتحليل فأشبه الوطء فيما دون الفرج. واحتج أصحابنا بأنه جماع أثم به لسبب الصوم. فوجبت فيه الكفارة كالقتل. قال أصحاب أبي حنيفة: ولا كفارة في إتيان البهيمة.
(المجموع(6/ 377، 378 ) ) .
(5) روى الحسن عنه أنه لا كفارة عليه ووجه رواية الحسن: أنه لا يتعلق به وجوب الحد فلا يتعلق وجوب الكفارة والجامع أن كل واحد منهما شرع للزجر فيما يغلب وجوده وهذا يندر ولأن المحل مكروه فأشبه وطء البهيمة. وروى أبو يوسف عنه: أن وجوب الكفارة يعتمد إفساد الصوم بإفطار كامل وقد وجد لوجود الجماع صورة ومعنى.
(اللباب للغنيمي(1/ 167) ، المبسوط (3/ 79) ،بدائع الصنائع (2/ 244) ، الجوهرة النيرة (1/ 179) ، درر الحكام (1/ 205) ، حلية العلماء (3/ 203) ، الدرة المضيئة (1/ 308 ) ) .