المطلب الرابع
الحالة العلمية
على الرغم من الفوضى السياسية التي عمت الدولة الإسلامية في تلك الآونة من العصر العباسي الثاني إلا أن الحالة العلمية كانت على العكس من ذلك؛ حيث نهضت العلوم المختلفة نهضة كبيرة، واحتل العلماء مكانة بارزة في المجتمع، حتى أطلقت عليهم ألقاب التكريم والتشريف كما تطلق على الخلفاء والأمراء، فلُقِّب الإسفراييني الأصغر المتوفى سنة 418 هـ بلقب: ركن الدولة، وكان أول من لقب بهذا اللقب من العلماء، كما ظهر لقب شيخ الإسلام، وأصبح يطلق على الأئمة من العلماء؛ تكريمًا لهم وتشريفًا [1] .
وإضافة إلى هذا التكريم المعنوي الذي ناله العلماء، نالوا أيضًا تكريمًا ماديًا من الخلفاء ورجال الدولة، فهاهو مثلًا أبو النصر سابور بن أردشير وزير القادر بالله ينشئ دارًا بالكرخ، ويوقفها على العلماء، ويجعل فيها كتبًا كثيرة.
وقد كان الخلفاء والأمراء يستشيرون العلماء في أمور الحكم، ويرسلونهم في التوسطات بينهم، ويرتضون بوساطتهم [2] .
وكل ذلك يُعد من مظاهر تشجيع العلماء التي ساعدت على قيام النهضة العلمية.
ولم يكن الاهتمام والتكريم وقفًا على العلماء فقط، بل نال طلبة العلم أيضًا حظهم من الاهتمام؛ فقد كان الفقهاء ينشئون مؤسسات للعلم، ويُجْرون الأرزاق على يد من يلازمها، ويشيدون المساكن للمغتربين من طلبة العلم.
كل هذا أدى إلى شيوع مجالس العلم، وإقبال الدارسين عليها، حتى كان مجلس الفقه يضم المئات من طلاب العلم، فقد قيل: إن مجلس الإمام أبي حامد الإسفراييني الشافعي كان يضم ما بين ثلاثمائة إلى سبعمائة فقيه، وكان يدرِّس لهم بمسجد عبد الله بن المبارك ببغداد.
ومن مظاهر هذه النهضة العلمية في تلك الآونة انتشار دور الكتب الخاصة والعامة، فقد أولع الملوك والأمراء وغيرهم من طبقات الشعب بجمع الكتب، وفي ذلك تروي لنا الكتب أخبارًا متعددة؛ فقد نقل أن الدار التي أنشأها الوزير البويهي أبو نصر بن أردشير ـ التي أشرنا إليها منذ قليل ـ قد جمع فيها كتبًا بلغت عشرة آلاف وأربع مئة مجلد [3] .
وذكر أن الصاحب بن عباد كان لديه من كتب العلم ما يحمل على أربعمائة رَحْل أو أكثر، وكان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات.
وكانت خزانة كتب العزيز بالله المتوفى سنة 386 هـ الخليفة الفاطمي في مصر تشتمل على ألف
(1) ينظر: وفيات الأعيان (8/ 608) ، الكامل (9/ 131) .
(2) ينظر: م. ن.
(3) ينظر: م. ن.