فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 511

المطلب الثاث

الحالة الاقتصادية

لا شك أن حالة المجتمع في عصر من العصور أو حقبة من الحقب تعد شبكة متصلة من العلاقات؛ فإن الأحوال المختلفة للمجتمع سياسية ودينية واجتماعية وعلمية واقتصادية، كلها يتداخل بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في بعض؛ لينتج من تفاعل معطياتها جميعًا ذلك الخليط الذي يعبر عن الصورة العامة لهذا العصر.

وإذا تقرر هذا فإنه يمكن استنباط سمات الحالة الاقتصادية في تلك الفترة.

وقد تعددت مصادر الموارد المالية للخلافة، فمنها: أموال الخراج [1] التي تجبى من سواد العراق وغيره، ومنها: المكوس [2] التي تجبى على الواردات، ومنها: الأموال التي يرسلها الولاة من أموال إماراتهم بعد الإنفاق على شئونها. كما تعددت مصادر الدخل للأفراد فكان منهم الموظفون الذين تصرف لهم رواتب كبيرة من الدولة، ومنهم من اشتغل بالصناعة فكانت تدر عليه أموالًا طائلة، ومنهم من اشتغل بالزراعة، ومنهم من اشتغل بالتجارة

وبصفة عامة فإن الحالة الاقتصادية للخلافة ومعظم طبقات الشعب كانت بحالة جيدة، حتى انعكس ذلك على مظاهر حياتهم؛ فوجدنا الخلفاء العباسيين يتفننون في بناء القصور فخمة البناء، المتسعة الأرجاء، المحاطة بالحدائق والأشجار، والحافلة بالمغنين على غررا ما كان يصنعه ملوك فارس في مجالسهم، حتى كانت هذه القصور مضربًا للمثل في فخامتها، وحسن رونقها، وشدة بهائها.

ولم يقتصر الأمر على قصور الخلفاء فحسب، بل وجدنا مظاهر الترف تنعكس أيضًا على الأزياء والملابس في هذا العصر، حتى وجدناهم يلبسون ثيابًا قد وشيت بالذهب.

وعلى الرغم من ذلك فإن الاضطرابات السياسية والفتن التي كانت تقع بين الحين والحين كانت تترك أثرًا وخيمًا على الحياة الاقتصادية؛ لما يترتب عليها من النهب والسلب؛ فترتفع الأسعار، وتقل الأقوات، ويقع ثقل ذلك على كاهل الطبقة المعدومة من أصحاب الحرف الصغيرة، والرقيق وغيرهم [3] .

إلا أن الخلفاء ووزراءهم كانوا يحاولون معالجة مثل هذه الأمور، مثل ما نقل عن شرف الدولة أنه قد انتظمت على يديه الأمور أشد انتظام وعمل جاهدًا على خفض الأسعار، وتوفير الغلات والأقوات، وتهيئة نقلها في البحر من بلاد فارس إلى البلاد المختلفة.

هذا هو مجمل الملامح لعصر الشيرازي، غير أنه من الجدير بالذكر: أن العلماء والفقهاء وغيرهم عملوا على

(1) الخراج: وهونوعان: خراج وظيفة وخراج مقاسمة.

خراج الوظيفة هو الضريبة المفروضة على الأرض سواء استغلها صاحبها أم تركها، ومبنى هذا الخراج على الطاقة.

أما خراج المقاسمة: هو الضريبة المقطوعة من الناتج الزراعي وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر ويكون في الخارج العشر إلا أنه يوضع موضع الخراج؛ لأنه خراج حقيقة. (الفقه الإسلامي وأدلته(3/ 1904 ) ) .

(2) المكوس: جمع مكس: وهي المكالمة في النقص من الثمن ومنه مكس الظلمة وهو ما ينقصونه من أموال الناس ويأخذونه منهم. والمكس هو الجباية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لايدخل صاحب مكس الجنة) المستدرك: كتاب الزكاة (1/ 562) ، (تهذيب الأسماء واللغات(3/ 141) ، مختار الصحاح (1/ 263) .

(3) ينظر: الخطط (1/ 419) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت