فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 511

المطلب الأول

ترجمة أبي حنيفة

ليس من السهل الميسور على البحث أن يرسم لأبي حنيفة صورة صحيحة صادقة يرضي عنه الباحث إذا أن إتباع مذهبه والمتعصبين له قد أفرطوا في تقديره، وغالوا في الثناء عليه، والطاعنين فيه قد بالغوا في انتقاصه، فرموه بالزندقة، ونسبوه إلى البدعة، واتهموه بالخروج عن الجادة والرغبة في إفساد الدين وإهمال السنة.

ولا ريب أن هذه الآراء المتناقضة بين محبٍّ غالٍ ومبغضٍ قالٍ ليتوه في غمرتها عقل الباحث، ويتفرق ذهنه، ويتوزع مجهوده في تمحيصها وبيان الحق الصحيح منها وتمييزه عن الكاذب الزائف.

تلك كلمة موجزة رأيت أن اصدربها ترجمتي لأبي حنيفة؛ إذ لا سبيل إلى إغضاء الطرف عن هذه الحقيقة أو إهمالها.

ومهما يكن من أمر فسأحاول استخراج ترجمة لهذا الإمام الجليل من ركام هذه الأخبار المضطربة، وأنأى ما استطعت عن مواطن الخلاف ومواضع النزاع التي خاض فيها المترجمون وكُتَّاب الطبقات وأصحاب المناقب.

اسمه ونسبه ومولده:

هو النعمان بن ثابت بن زوطي بن كاوُس بن هُرمز بن مرزبان بن بهرام التيمي [1] .

ولد أبو حنيفة رضي الله عنه بمدينة الكوفة سنة ثمانين من الهجرة النبوية، وهي الرواية الصحيحة المجمع عليها بين المترجمين والمؤرخين.

وقد أجمع الثقات على أن أبا حنيفة فارسي النسب [2] ، فأبوه هو ثابت بن زوطي الفارسي، وقد كان جده من أهل كابل، وقد أسر عند فتح العرب لفارس، واسترق لبني تيم بن ثعلبة، ثم أعتق، فكان ولاؤه لهذه القبيلة، وكان هو تيميًّا بهذا الولاء.

ولم يكن أبو حنيفة يحفل بمسألة الأنساب ولا يلقي لها بالًا، ولا كان حريصًا على نفي الرق عن جده، بل كان يقول:"أعلم أن التقوى أعلى الأنساب وأقوى أسباب الثواب، قال الله تعالى: إِنَّ ِ/ن 3 tBuچ ٍ 2"

(1) ينظر: الجواهر المضيئة (1/ 49) ، تهذيب الأسماء واللغات (2/ 216) ، شذرات الذهب (1/ 227) ، تاريخ بغداد (13/ 323) .

(2) هذا هو الثابت المجمع عليه بين المؤرخين، وقد روى أنه بابلي؛ إذ ذكر الخطيب البغدادي أن أبا حنيفة من أهل بابل. وقد زعم بعض المتعصبين لأبي حنيفة أنه عربي، فقيل: إن زوطي من بني يحيى بن زيد بن أسلم، وقيل: ابن راشد الأنصاري. وهذا قول مردود متهافت؛ فالمشهور أنه من أولاد فارس وأنه ينتمي إلى ساداتهم، وأهل جده الأول من كابل كما ذكرنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت