فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 511

المطلب الأول

هِمته في طلب العلم

وقف الإمام أبو إسحاق الشيرازي حياته على طلب العلم والسعي إلى تحصيله؛ فلم يكن يصرفه شيء من أمور الدنيا عن مجلس علمي، أو درس يلقيه شيخ من العلماء الحاذقين، أو حلقة يروي فيها شيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد وهب نفسه وعقله وجسمه ووقته جميعًا للعلم؛ فلا جرم أن نال مكانة عالية وتبوأ منزلة سامية في تاريخ الفقه الإسلامي.

قال ابن السبكي:"وما برح يدأب ويجهد حتى صار أنظر أهل زمانه، وفارس ميدانه، والمُقَدَّم على أقرانه، وامتدت إليه الأعين، وانتشر صيته في البلدان، ورحل إليه في كل مكان."

ولقد كان اشتغاله أول طلبه أمرًا عجابًا، وعملًا دائمًا، يقول من شاهده: عجبًا لهذا القلب و الكبد كيف ما ذابا؟!" [1] ."

ولا مراء في أن رحلاته المتعددة إلى المراكز العلمية المعروفة آنذاك قد أسهمت في إثراء تكوينه العلمي وتوسيع مداركه، وعملت على تنويع الروافد التي غذت شخصيته العلمية، وأسبغت عليها كثيرًا من العمق والخصوبة.

وقد أعان الشيخ الشيرازي على الدرس و التحصيل هِمّةٌ عالية، وصبر عجيب، ومثابرة قل أن تتوافر لغيره؛ فكان يعيد المسألة العلمية التي يريد حفظها مرات ومرات حتى يَعِيَها فؤاده وترسخ في نفسه، يقول هو عن نفسه:

"كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت منه أخذت قياسًا آخر، وهكذا، وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به حفظت القصيدة" [2] .

وكانت عنايته الفائقة بتحصيل العلم وشدة إقباله على الدرس والتصنيف حائلًا بينه وبين لذائذ الحياة ورغد العيش، فبلغ به الفقر حتى كان لا يجد قوتًا ولا ملبسًا. وكم صده سعيه في طلب العلم عن طعام يشتهيه أو تتوق نفسه إليه!

قال ابن السبكي:"يقال: إنه اشتهى ثريدًا بماء الباقلاء [3] ، قال: فما صح لي أكلهن لاشتغالي بالدرس، وأخذ النوبة" [4] [5] .

(1) ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (4/ 218) .

(2) ينظر: م. ن.

(3) الباقلاء: الواحد منه بَقْلةٌ والبقلة هي الرجلة وهي البقلة الحمقاء، ويقال كل نبات اخضرت له الأرض فهو بَقْلٌ. والباقلاء نبات عشبي حولي تؤكل قرونه مطبوخة. (مختار الصحاح(1/ 24) معجم الوسيط (1/ 86 ) ) .

(4) النوبة: من ناب عنه ينوب منابًا قام مقامه، وتناوب الأمر قام له مرة بعد مرة.

(مختار الصحاح(1/ 285 ) ) .

(5) ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (4/ 218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت