المطلب الأول
الحالة السياسية
الحالة السياسية والبيئة الخارجية تؤثر تأثيرًا كبيرًا في شخصية العلماء والباحثين، ومن ثم كان لزامًا على من أراد التعريف بعالم ما وبجهوده أن ينحو أولًا نحوا العصر الذي عاش فيه، ويبين أهم مقومات هذا العصر: السياسية والاقتصادية وغيرها.
والشيرازي قد عاش وشبَّ في أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري، وهي الفترة التي ينتمي إليها العصر العباسي الثاني، ذلك العصر الذي دبَّ فيه الضعف والخور في أوصال الدولة الإسلامية، بعد أن كانت ثابتة الأركان في زمن الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ.
وكان لسياسة الخلفاء العباسيين دور كبير في وصول السلاجقة [1] للحكم؛ فقد استعانوا بالفرس على العرب في تأسيس دولتهم، فلما زاد نفوذ الفرس استعانوا عليهم بالأتراك، فلما عظم شأن الأتراك، واستفحل خطرهم وراسلوا بني بويه [2] ليخلصوهم من استبداد الأتراك، كما طلبوا من طغرلبك السلجوقي [3] أن يخلصهم من البساسيري [4] وأنصاره وذلك حين أراد تحويل الدعوة إلى الفاطميين. ونتيجة لذلك تمكن السلاجقة من السيطرة على دولة الخلافة.
وكان لارتباط السلاجقة ـ منذ ظهورهم على مسرح الأحداث ـ بالخلفاء العباسيين برباط المصاهرة أثره في تعميق أواصر الألفة والمحبة بينهم، وزاد ذلك مبالغة طغرلبك السلجوقي في احترام مقام الخلافة العباسية، حتى إن الخليفة القائم لَقَّبَهُ بملك المشرق والمغرب. وكانت معاملة السلاجقة للخلفاء العباسيين أحسن كثيرًا من معاملة بني بويه، ومرجع هذا إلى أن السلاجقة كانوا ينتمون إلى المذهب السني وهو مذهب العباسيين، وكانوا على مذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه- [5] .
(1) السلاجقة: ينسبون إلى سلجوق (بفتح السين) بن تقاق (بضم التاء) أحد رؤساء الأتراك. وكانوا يسكنون بلاد ما وراء النهر في مكان يبعد عن بخارى بعشرين فرسخًا. وهم نوع من التراك الغز، ويتصل نسبهم بالجد الأكبر لسلاطين الأتراك العثمانيين. (تاريخ الإسلام السياسي(4/ 1 ) ) .
(2) طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق بن تقاق أحد ملوك السلاجقة، ذكر اسمه مقرونًا بملك السلطان الأعظم. توفي في شهر رمضان سنة 455 هـ وله من العمر سبعون سنة. وقد حكم الدولة العباسية سبع سنين وأحد عشر شهرًا واثنى عشر يومًا. (تاريخ الإسلام السياسي(4/ 4 - 20 ) ) .
(3) بنو بويه سلالة من الديلم (إيرانيون) ينتسبون على بهرام جور أحد ملوك ساسان، استمدوا اسمهم من أبي شجاع بويه. (تاريخ الإسلام السياسي(3/ 37 - 43 ) ) .
(4) البساسيري: هو أبي الحارث البساسيري، تزعم الثورة ضد طغرلبك في بغداد لإقامة الدعوة للخليفة الفاطمي المستنصر على منابر بغداد. (تاريخ الإسلام السياسي(4/ 11 - 19 ) ) .
(5) ينظر: الكامل (8/ 80) ، ومآثر الأناقة في معالم الخلافة (2/ 238 ـ 239) ، وتاريخ الإسلام السياسي (4/ 17 ـ 18) ، تاريخ الأمم الإسلامية (421، 442، 485) .